شهد القرنان الثامن عشر والتاسع عشر بروز أصوات كبرى معارضة للتجارة الحرة، كان من أبرزها الأب المؤسس الأمريكي ألكسندر هاملتون والاقتصادي الألماني فريدريش ليست. فقد دافع كلاهما عن نسخة من حجة “الصناعة الناشئة”، مؤيدَين اتخاذ تدابير حمائية مؤقتة لتعزيز التصنيع المحلي في البلدان المتأخرة صناعياً، حتى تتمكّن من اللحاق بالأكثر تقدما مثل بريطانيا العظمى.
ألكسندر هاملتون: الصناعة ضمان الاستقلال
منذ عام 1782، ثم في تقريره الشهير حول الصناعات التحويلية (1791) حين كان وزيراً للخزانة، أكّد هاملتون أن التجارة الحرة – في ظل الظروف العالمية القائمة – لا يمكن أن تضمن ازدهار الولايات المتحدة. وبدلاً من الاعتماد فقط على قوى السوق، دعا هاملتون إلى دعم حكومي استباقي ومباشر لتشجيع التصنيع المحلي فقد كان يؤمن بأن تشجيع التصنيع المحلي سيجعل الولايات المتحدة أكثر اكتفاءً اقتصاديًا وأكثر أمنًا عسكريًا.
استند منطق هاملتون جزئيًا إلى أفكار المركنتيلية التي ترى أن تحقيق فائض في الميزان التجاري أولوية وطنية. لكن ابتكاره الأساسي تمثل في طرحه لحجة “الصناعة الناشئة”. ووفقًا لهذه النظرية، فإن القطاعات الصناعية الناشئة في الولايات المتحدة لم يكن من الواقعي أن تنافس على قدم المساواة نظيراتها الأوروبية الراسخة. لذلك، كان لا بد من حمايتها من المنافسة إلى أن تصبح أكثر تطورًا. ومن دون الرسوم الجمركية الحمائية والدعم الحكومي، فلن تنجو الصناعات الأمريكية من مراحلها الأولى غير المربحة.
غير أن هذا المنطق ينطوي على مفارقة: فإذا لم تستطع صناعة محلية البقاء إلا بفضل حماية الرسوم الجمركية، فهذا دليل على أنها تستخدم الموارد بكفاءة أقل من البدائل المتاحة. وحتى إن تمكن المنتجون المحليون في نهاية المطاف من اكتساب القدرة التنافسية، فإن الحماية الأولية تؤدي إلى تحويل رأس المال والعمالة بعيدًا عن الاستخدامات الأكثر إنتاجية، مما يشوه الحوافز الاقتصادية.
فريدريش ليست: الاقتصاد الوطني قبل الاقتصاد العالمي
كان فريدريش ليست اقتصاديًا وصحفيًا ألمانيًا، قضى عدة سنوات في الولايات المتحدة خلال عشرينيات القرن التاسع عشر، حيث تأثر بالنزعة القومية الاقتصادية الأمريكية وبأفكار هاملتون حول الصناعات التحويلية. كان ليست في الأصل مصلحًا ليبراليًا في مملكة فورتمبيرغ، لكنه سُجن ثم نُفي بسبب أنشطته السياسية. وبعد عودته إلى أوروبا، توجه إلى النظرية الاقتصادية كوسيلة لتحقيق التنمية الوطنية.
وقد طوّر ليست أفكار هاملتون في كتابه الصادر عام 1841 بعنوان “النظام الوطني للاقتصاد السياسي”. فقد اعتقد أن التنمية الاقتصادية الوطنية تتطلب رعاية ما سماه “القوى الإنتاجية” للبلاد. وكان يؤكد أن الحماية شرط أساسي لانطلاق الصناعة، وأنه لا ينبغي للأمم أن تنفتح على المنافسة العالمية إلا بعد بلوغ مرحلة النضج الصناعي. كما شدّد على أن بريطانيا، التي سبقت بقية أوروبا في التصنيع، لم تبدأ في التبشير بحرية التجارة إلا بعد أن ضمنت تفوقها الصناعي.
كان ليست يعتبر الصناعة محرّك الحضارة، ويؤمن بأن تطويرها يبرّر تضحيات مادية مؤقتة. لكن رؤيته تفترض أن الدولة قادرة على تحديد الصناعات الواعدة وحمايتها، ثم رفع الحماية عنها في الوقت المناسب، دون أن تتحول هذه القطاعات إلى كيانات طفيلية ترفض الاستغناء عن الدعم حتى عندما تزول المبررات الأصلية لسياسة الحماية.
الحروب التجارية المعاصرة: صدى للمنطق الحمائي
لم تختفِ الأفكار الحمائية قط، بل استعادت اليوم زخماً جديداً. فقد دخلت الولايات المتحدة في حرب تجارية مع دول أخرى، أدخلت الاقتصاد العالمي في مرحلة تقلبات واضطراب. وقد سارعت دول عدة حول العالم إلى الرد بإجراءات انتقامية، مما أدخل الاقتصاد العالمي في فترة من اللايقين الشديد.
يعتمد نظام الرسوم الجمركية الجديد الذي أطلقه دونالد ترامب على صيغة “المعاملة بالمثل” المعيبة، التي تفترض أنّ العجز التجاري يعادل الرسوم الأجنبية. لكن العجز التجاري لا يشكّل دائما دليلاً على تجارة غير عادلة، بل يعكس تدفقات رأس المال العالمية واختيارات المستهلكين. والأسوأ من ذلك أنّ هذه السياسة تتجاهل التكاليف الداخلية—إذ يتحمّل المستهلكون والمزارعون والمصنّعون الأميركيون عبء الأسعار المرتفعة واضطراب سلاسل التوريد. وما بدأ بذريعة حماية الصناعة المحلية تحوّل إلى تجربة مرتجلة وخطرة، تُذكّر بدعوات هاملتون وليست إلى الحماية. غير أنّ هذه السياسات، بدل أن تقوّي الاقتصاد، قد تضعفه وتخلّف عواقب طويلة الأمد على التجارة العالمية.
الإرث المستمر
لا تزال أفكار هاملتون وليست تؤثر في نقاشات السياسات الاقتصادية، خصوصاً في دول العالم النامي. فقد استندت إليها استراتيجيات التصنيع عبر إحلال الواردات (ISI)، التي اعتُمِدت على نطاق واسع في أمريكا اللاتينية، حيث فُرضت الرسوم الجمركية العالية ووزع الدعم الحكومي لحماية الصناعات المحلية الناشئة.
ومع أن الإجماع الاقتصادي الحديث يميل بقوة إلى تفضيل التجارة الحرة، فإن الضغوط السياسية والشعبية لا تزال تدفع الحكومات إلى التدخل في التجارة، خصوصاً تحت ذرائع مثل حماية القطاعات الاستراتيجية، أو تأمين الوظائف، أو مواجهة دعم أجنبي.
فالتجارة الحرة تعترف بأن الانفتاح والمنافسة وميزة التخصص النسبي هي التي تجلب الازدهار على المدى الطويل. وكما حذّر هنري هازلت، حين تتحول المغالطات الاقتصادية إلى شعارات شعبية، فإنها تفقد دقتها وتتحول إلى عقائد خطرة. لقد كانت حجج هاملتون وليست معقدة في زمنها، لكن السياسات الحمائية التي ألهمتها واضحة النتائج: هدر الموارد، وتغذية المحسوبية، والإضرار بأولئك الذين ادّعت حمايتهم أصلاً.
بقلم سيرخيو مارتينيث – محرر مشارك في مؤسسة التعليم الاقتصادي (FEE).
لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.
https://fee.org/articles/the-intellectual-foundations-of-protectionism/