• يناير 2, 2026

آدم سميث في مواجهة أوهام الهندسة الاجتماعية

ميزة علمِ الاقتصاد تكمن في الثقة بالأفراد الأحرار في جعل الحياة اليومية أفضل.

ما الذي أصاب التعليم الاقتصادي حتى أصبح من الممكن أن يتفق اقتصاديان ينتميان إلى مدرستين متعارضتين تماماً—ها جون تشانغ وماريو ريتزو—على نقد الطريقة ذاتها؟ المشكلة الأعمق لا تكمن في ماذا نعلّم، بل كيف نعلّم.
لنعد إلى أحد أكثر الكتب تأثيراً في تاريخ الاقتصاد —كتاب يوازي في أثره النظرية العامة لكينز أو مبادئ الاقتصاد لمارشال—وهو كتاب الاقتصاد لبول سامويلسون. ما كان مهماً في كتابه هو إعادة تعريف وظيفة الاقتصادي. فحين تتطلب الظروف الاقتصادية المعقدة «التنسيق الاجتماعي» و«التخطيط»، افترض سامويلسون أنّ «الرجال العقلاء من ذوي الإرادة الحسنة» يمكنهم—بل يجب عليهم—الاستعانة بسلطة الحكومة وحسها الابتكاري لحلّ المشكلات الاجتماعية. في عالم سامويلسون، مهمة الاقتصادي هي مساعدة هؤلاء «الرجال ذوي الإرادة الحسنة» داخل الدولة على حل المشكلات الاجتماعية. وقد وصفت ديدري مكلاسكي هذا المزاج الفكري بدقة، حين روت في مذكّراتها كيف كان زملاؤها في الدكتوراه بجامعة هارفارد مقتنعين بأن مستقبلهم هو الذهاب إلى واشنطن لـ«الضبط الدقيق» للاقتصاد وتحسينه.
ومنذ ذلك الحين، صار التعليم الاقتصادي يدرّب الطلاب على رؤية أنفسهم مهندسين مساعدين لهؤلاء “الرجال ذوي الإرادة الحسنة”: خبراء تُناط بهم مهمة حلّ معادلات توازن معقّدة، واقتناعٌ بأن الاقتصاد مسألة هندسية تقنية، لا مسألة تنسيق بين ملايين الأفراد. فالمشكلات الهندسية تتعلق بإيجاد الحلول المثلى واستخدام البيانات، بينما تتعلق مشكلات التنسيق بالمفاضلات والمعرفة الموزعة. وكما يذكّر بيتر بوتكه، في عالمٍ تُعرف فيه كل الوسائل وكل الغايات مُسبقاً، لا يبقى أمام الاقتصادي إلا مسألة هندسية بحتة. وهذا بالضبط ما يتعلمه الطالب في «مبادئ الاقتصاد»: عالمٌ مثاليّ كامل المعرفة، تُعرف فيه الأسعار والتفضيلات والتكاليف بدقة، حيث يؤدي حل المعادلات إلى كل الإجابات. لكن جوهر الحكمة الاقتصادية يكمن في فهم الانحرافات عن هذا النموذج المثالي.
وهنا تتعقّد الأمور. فاقتصاديون مثل ها جون تشانغ ينتقدون النماذج الاقتصادية لأنها مبنية على حالة كمال لا وجود لها، فيخلصون إلى أن النماذج عديمة الجدوى. لكن اقتصاديين من أمثال فرانك نايت وفريدريش هايك ينطلقون من نفس الافتراض المثالي—لكنهم لا يتوقفون عنده. فهم يدركون أهمية المؤسسات السوقية تحديداً لأننا نعيش في عالم غير كامل.
السوق ليست ابنة الكمال؛ بل هي إحدى أعظم ابتكارات البشرية للتعامل مع عدم الكمال. في عالم المعرفة الكاملة تصبح الأسواق بلا معنى. أما في عالمنا الحقيقي—حيث الجهل منتشر والمعلومات موزعة—فإن الأسعار تحقق معجزة يومية: إنها تنسيق ملايين القرارات من دون مخطّط مركزي، بما يكفي «لإطعام باريس»، كما يقال.
يبدأ نايت كتابه «المخاطرة واللايقين والربح» بتخيّل عالم بلا مخاطرة ولا عدم يقين ولا ربح؛ ثم يكشف كيف تعمل الأسواق في العالم الحقيقي عندما تكون هذه العناصر موجودة. المشكلة ليست في «الكمال» بوصفه أداة نظرية، بل في تحويله إلى هدف سياسي يجب على الحكومات تحقيقه. في رؤية سامويلسون، الأسواق مليئة بالعيوب—لا تناظر المعلومات، والآثار الخارجية، والاحتكار—بينما تُقدَّم الحكومة وكأنها كيان كامل القدرة. وهكذا يصبح الاقتصادي موظفاً لدى الدولة في رحلة بحث عن «يوتوبيا» يمكن للسياسة بلوغها. وهذا بالضبط ما هو خاطئ في التعليم الاقتصادي: الكمال يجب أن يبقى وسيلة لفهم قيمة السوق، لا نموذجاً ينبغي فرضه على المجتمع.

هذا الخلط يدفع الطلاب إلى نسيان حدود معرفتهم البشرية حول كيفية تصميم المؤسسات. والتعليم الاقتصادي الرصين يجب أن يبدأ بتصوّر السوق كعملية ديناميكية لا كحالة ثابتة. وعليه أن يبيّن كيف أن ميل الإنسان الطبيعي إلى «المبادلة والمقايضة والتبادل» يولّد معجزات: من الطائرات إلى الهواتف الذكية—أشياء لم تكن لتخطر ببال أسلافنا قبل عقود قليلة فقط. ميزة علمِ الاقتصاد لا تكمن في الثقة بـ “رجال ذوي نوايا حسنة” داخل الحكومة، بل في الثقة بالأفراد الأحرار لجعل الحياة اليومية أفضل.
وقد كتب آدم سميث، مؤسس علم الاقتصاد الحديث: ينبغي أن “نسمح لكل إنسان بأن يسعى وراء مصلحته بطريقته الخاصة، وفق الخطة الليبرالية للمساواة والحرية والعدالة.” وهذا لا يبدو مطلقاً كـ “علم كئيب”، كما يقال.
حين نعلّم الاقتصاد بهذه الروح، يتكشف لنا أنّه قصة تعاون بشري هائل، تتجه فيها الموارد عبر الربح والخسارة والتخصص نحو أنشطة أكثر إنتاجية. لكن خلال نصف القرن الماضي تحوّل علم آدم سميث—علم التفاؤل وخلق الثروة—إلى علم تشاؤمي يركّز فقط على «الاختيار تحت الندرة». في هذا التصوّر، المشكلة هي «التخصيص»، لا «التنسيق».
وعندما ينشغل الاقتصادي بحساب «التخصيصات المثلى»، ينسى—كما حذّر هايك— «درس التواضع الذي يجب أن يحمي المرء… من أن يصبح شريكاً في السعي المدمّر للإنسان للسيطرة على المجتمع”.

بقلم مانـي بشارزاد هو صحفي اقتصادي يتعاون مع معهد آدم سميث ومعهد ميزس.

لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.
https://fee.org/articles/adam-smith-vs-the-engineers-of-utopia/

Read Previous

ما هو رجل الأعمال الشرعي؟ 

Read Next

لماذا ما زلنا نستخدم النقود الورقية؟