• يناير 30, 2026

الحكومات لا تستطيع مراكمة رأس المال!

يرى الاقتصاديون النمساويون بأنّ رأس المال ليس مجرّد نقود، بل هو عملية حيّة يقوم فيها الأفراد بتأجيل الاستهلاك الحاضر، والحفاظ على الموارد، ثم توجيهها نحو مشاريع يعتقدون أنّها ستحقق زيادة في المستقبل.

كيف نفهم رأس المال؟

لتصوير معنى رأس المال، تخيّل مزارعًا يختار شراء أدواتٍ أفضل بدل إنفاق أرباحه على رحلاتٍ ترفيهية في عطلة نهاية الأسبوع. قراره هذا ينقل الجهد من الحاضر إلى المستقبل. ويجعل هذا الانتقال ممكنًا عاملان أساسيان:

تفضيل الزمن: (Time Preference) بعض الناس مستعدّون لتأجيل الإشباع الحالي مقابل عائد أكبر في المستقبل، بينما يفضّل آخرون الإشباع الفوري. ولا يتحقق التراكم الحقيقي لرأس المال على نطاقٍ وطني عندما تنفق الدولة على البنية التحتية أو التعليم أو غير ذلك، بل عندما يكون عدد كبير من الأفراد مستعدين لتأجيل الاستهلاك.

البصيرة الريادية: الانتظار وحده لا يكفي؛ فلا بدّ أن يمتلك المدّخر القدرة على استشراف مواضع الطلب المقبلة وتوجيه الموارد وفقًا لها. ولا يعمل هذان العاملان من دون الملكية الخاصة. فعندما تمتلك أصلًا ما، تستطيع رهنه أو تحسينه أو تحمّل خسارته. وإمكانية الربح—ومخاطر الخسارة—تعزّز الانضباط وتشجّع التفكير طويل الأمد.

لماذا لا تستطيع الحكومات تراكم رأس المال؟

 1. غياب آلية التغذية الراجعة السوقية: تعيش الشركات أو تموت وفق حساب الأرباح والخسائر. الفائض يشير إلى ترتيب الموارد بما يلبّي رغبات المستهلكين، والعجز ينذر بالهدر وسوء التخصيص. أمّا الحكومات، المموّلة بالضرائب لا بالمدفوعات الطوعية، فلا تشعر بهذا الضغط. فالتصويت والضغط السياسي وصراعات الاختصاص—لا اختيار المستهلك—هي ما يوجّه الإنفاق، فيبقى سوء التخصيص بدون محاسبة ولا عقاب.

2. غياب الادخار الحقيقي: عندما تدّخر الأسرة جزءًا من دخلها، فإنها تتخلى عن استهلاكها الخاص. أمّا الخزائن العامة فتنفق أموالًا جُمعت من الآخرين—بالضرائب أو السندات أو خلق النقود. هذا «الادخار» لا يتضمن تضحية ذاتية، ولا تفضيلًا زمنيًا شخصيًا، وبالتالي لا يؤدي إلى تراكم حقيقي لرأس المال.

3. قِصر الأفق الانتخابي: حتى الوزير الأكثر استشرافًا للمستقبل يعمل داخل نظام محكوم بدورة الاقتراع التالية. يُقاس النجاح بقصّ أشرطة الافتتاح الظاهرة، لا بالاستخدامات البديلة غير المرئية لرأس المال. يهتم البيروقراطيون بالحفاظ على ميزانياتهم، بينما يهتم السياسيون بالعناوين الإعلامية. ولا يتحمل أيٌّ منهما مسؤولية شخصية إذا فشل مشروع ضخم.

4. الإزاحة، وتشويه الأسعار، والهدر: كل وحد إنفاقٍ عام تُسحَب من جيوب القطاع الخاص أو من المقرضين. وبمجرد سحبها، تتوقف عن توجيه رواد الأعمال الذين يعتمدون على إشارات الأسعار لتحقيق الربح. والأسوأ أن الإنفاق الحكومي يربك الأسواق عبر تشويه أسعار الفائدة، وتحريف أسعار الموارد، وإرباك المستثمرين بإشارات متناقضة. فتتجه الصلب والخرسانة والعمالة الماهرة نحو مشاريع مدعومة سياسيًا، ذات قيمة أعلى من المدخلات. وهكذا ينحرف الاقتصاد عن مساره الأكثر كفاءة.

دروس تاريخية في تدمير رأس المال

التصنيع المفرط السوفياتي: أقام الاتحاد السوفياتي مصاهر وسدودًا ضخمة بلا اختبارات سعرية ذات معنى. افتُتحت مصانع كثيرة بعيدًا عن المواد الخام أو المستخدمين النهائيين، وغالبًا ما تُركت المعدات تصدأ على أرضيات المصانع المعطلة. ورغم ارتفاع الإنتاج المادي، ظلت مستويات المعيشة متدنية لأن مزيج السلع المنتَجة نادرًا ما كان يتوافق مع الحاجات الفعلية للناس.

«الأبطال الوطنيون» في مرحلة ما بعد الاستعمار: في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، جرى الترويج لشركات الطيران والمناجم ومصانع الصلب المملوكة للدولة بوصفها محركات للاكتفاء الذاتي. غير أن معظمها استنزف الإعانات لعقود، ونادرًا ما حقق التعادل المالي، وفشل في خلق ثروة حقيقية.

كيف ينمو رأس المال فعلًا؟

لا يتكوّن رأس المال إلا حيث تتوافق المصالح الشخصية مع التغذية الراجعة الدقيقة:

الادخار الطوعي: يمتنع الأفراد عن إغراء الاستهلاك الفوري، مُثبتين أنّهم يثمّنون منفعة الغد أكثر من لذّة اليوم.

ريادة أعمال تتحمّل المخاطر: تستثمر الشركات هذه المدّخرات مسترشدة بالأرباح المتوقعة؛ فالنجاح يوسّع الطاقة الإنتاجية، والفشل يحرّر الموارد لاستخدامات أفضل.

تصحيح مستمر: تبثّ ملايين المعاملات اليومية معلوماتٍ جديدة. ترتفع الأسعار حيث الندرة فتُحفّز زيادة العرض، وتنخفض حيث الوفرة فتشير إلى الانسحاب. هذه الديناميكية تعيد تخصيص رأس المال بلا انقطاع وتضغط الهدر خارج النظام. ولا تستطيع الدولة محاكاة أيٍّ من هذه الخطوات لأنها لا تملك الثروة التي تنفقها، ولا تخضع للمساءلة أمام من كانت تلك الثروة ملكًا لهم.

الطبيعة الهشّة لرأس المال

رأس المال هشّ. فهو ينشأ من التبادلات الطوعية، ومن الحكم الفردي، ومن الاستعداد لتحمّل الخسارة. وبعد تراكمه، يحتاج إلى حماية من السياسات والمخططات التي تُضعِف قيمته. أمّا الفاعلون العموميون، المحصّنون من الخسارة الحقيقية والمكافَؤون على الإيماءات الظاهرة، فإنهم يؤدّون حتمًا إلى تآكل هذا الرصيد وهم يزعمون توسيعه.

كل مصادرة، وكل مشروعٍ ضخم مدعوم بالإعانات، ينقل الأموال من ساحةٍ لا مركزية تزدهر فيها الإشارات التنافسية إلى قمرةٍ مركزية تُخمد تلك الإشارات. والنتيجة ليست رأس مالٍ جديدًا، بل تسريع استهلاك ما بناه القطاع الخاص سلفًا.

يذكّرنا الاقتصاديون النمساويون بأن رأس المال ليس شيئًا جامدًا بقدر ما هو نمط مترابط من الخيارات الاستشرافية. وبما أنّ الحكومات تعمل من دون ملكية، ومن دون ادخارٍ حقيقي، ومن دون مساءلةٍ قائمة على آليات السوق، فإن أقصى ما تستطيع فعله هو استهلاك رأس المال الذي يخلقه الآخرون.

بقلم دانيال أغباكي اقتصادي نيجيري ذو توجّه نمساوي-ليبرتاري، ومتدرّب في معهد ميزس.

لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.

Read Previous

ما قيمة الديمقراطية؟

Read Next

دفاعًا عن العولمة