نسمع هذه الأيام الكثير من النقاشات حول العولمة. لكن ما هي العولمة، في جوهرها؟
العولمة ببساطة هي حرية حركة السلع ورؤوس الأموال والأشخاص والأفكار عبر العالم وعبر الحدود.
العولمة نعمة كبرى على البشرية. فهي تعني مزيدًا من التخصّص وتقسيم العمل، وهما من الركائز الأساسية للتقدّم الاقتصادي. تجعل الدول الغنية أكثر ثراءً، وتُخرج الدول الفقيرة من براثن الفقر المدقع.
الإصلاحات السوقية داخل الدول مهمّة بلا شك، لكن الاندماج في تقسيم العمل العالمي كان عاملًا حاسمًا في صعود الطبقات الوسطى في الصين والهند والمكسيك وتشيلي وبلدان أوروبا الشرقية. وقد انخفضت نسبة سكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع—أي من يستهلكون أقل من 1.90 دولار يوميًا بأسعار محلية معدّلة—من 36% عام 1990 إلى نحو 10% عام 2015. هذه هي القصة الكبرى لعصرنا، وربما أعظم إنجاز في تاريخ البشرية. ومع ذلك، لكن كثيرين لا يدركون ذلك.
الاقتصاد الحر ليس لعبة محصلتها صفرية. فالتجارة والتخصص يحققان مكاسب متبادلة للجميع، إذ تكبر الكعكة الاقتصادية للجميع. وما البديل؟ الاكتفاء الذاتي؟
كما أوضح ليونارد ريد وميلتون فريدمان، لا يوجد شخص واحد على وجه قادر على صنع شيء بسيط مثل قلم الرصاص بمفرده. ستحتاج إلى خشب من أوريغون، وغرافيت من سريلانكا، وشمع من المكسيك، وزيت خروع من المناطق الاستوائية، ومطاط من إندونيسيا—فضلًا عن المصانع التي تجمع هذه العناصر كلها في منتج واحد بسيط.
في تجربة لافتة، قرّر آندي جورج، مقدّم برنامج يوتيوب How to Make Everything، إعداد شطيرة دجاج «من الصفر». النتيجة؟ ستة أشهر من العمل، و1500 دولار من التكاليف، لزراعة الخضروات، وتحويل ماء البحر إلى ملح، وصناعة الجبن، وذبح دجاجة—كل ذلك ليأخذ قضمة واحدة من شطيرة صُنعت حرفيًا من الصفر.
إن المواد الخام، والعمالة، والتكنولوجيا اللازمة لإنتاج عناصر الحياة الحديثة موزّعة عبر العالم. وسيكون من المكلف بدرجة هائلة لأي بلد — سواء الولايات المتحدة أو الهند أو نيجيريا — أن يرفض التجارة مع شعوب البلدان الأخرى من أجل إنتاج السلع بكفاءة وبأقل تكلفة. فإذا كان من المنطقي أن نقول «اشترِ من امريكا»، فلماذا لا نقول «اشترِ من كاليفورنيا»؟ أو «اشترِ من لوس أنجلوس»؟ أو حتى «أبقِ أموالنا هنا في هوليوود»؟
وكما لاحظ خبير التجارة دان إيكينسون عام 2009، فإن معظم منتجاتنا الحديثة ينبغي أن تُحمل وسم «صُنع على كوكب الأرض»، لأنها نتاج «تقسيم عمل عالمي حقيقي، يتيح فرصًا للتخصص والتعاون والتبادل على نطاقات لم يكن من الممكن تصورها في السابق».
وخلال الجيل الماضي، أدخلت العولمة مزيدًا من البشر إلى الاقتصاد العالمي، وأسهمت في خروج مليارات الأشخاص من دائرة الفقر. وفي الوقت نفسه، انتشرت قيم التنوير—كالتسامح وحقوق الإنسان—في مناطق أوسع من العالم، ولا سيما حقوق النساء والأقليات العرقية والدينية والمثليين والمثليات.
كما منح الإنترنت الناس مزيدًا من المعلومات، ووسائل الاتصال، والفرص التجارية، وخيارات أوسع للحياة. وعلى الرغم من سيل الأخبار المقلقة، فنحن على الأرجح نعيش أكثر العصور سلمًا في التاريخ. لكن التقدّم الاقتصادي يعني—لا محالة—التغيير. والتغيير قد يكون مؤلمًا. يكفي أن نتأمل الانتقال من مرحلة كان يعمل فيها نحو 90٪ من العمال الأمريكيين في الزراعة إلى نحو 2٪ فقط اليوم. ونحن نعيش الآن تحولات مشابهة، من الصناعة التحويلية إلى قطاع الخدمات والروبوتات.
يتضرّر بعض الناس خلال هذه التحوّلات: قد يفقدون وظائفهم أو أعمالهم، أو يرون أجورهم لا ترتفع بالوتيرة نفسها التي ترتفع بها أجور الآخرين، أو ببساطة يخشون أن يحدث لهم ذلك. وعندما يشعر الأفراد بتراجع دخلهم أو مكانتهم الاجتماعية النسبية، فإنهم غالبًا ما يطلبون المساعدة ويبحثون عن جهة يلقون عليها اللوم.. فيظهر الطلب على برامج حكومية، وفي الوقت نفسه في البحث عن «كبش فداء» — سواء كانوا المصرفيين، أو «الواحد في المئة»، أو اليهود، أو المهاجرين، أو المكسيكيين، أو غيرهم — وهو ما يتناقض تمامًا مع الليبرالية الفردية التي منحتنا التقدم غير المسبوق الذي نشهده.
لقد شهدنا صعود قوى شعبوية ولا ليبرالية في بلدان كثيرة حول العالم، من اليمين واليسار على حدّ سواء—مهدِّدةً الحرية والديمقراطية والتجارة والنمو، بل وحتى السلام. وكل هذه «الأفكار الجديدة السيئة» —الاشتراكية، والحمائية، والسياسة الصناعية—ليست سوى أفكار قديمة سيئة. وقد واجهها والتحرريون والليبراليون الكلاسيكيون منذ أكثر من مئتي عام، وما زال لزامًا علينا مواصلة هذا الدفاع.
بقلم ديفيد بواز، زميل أول في معهد كاتو.
لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.
