• فبراير 14, 2026

الاشتراكية لا تعيش إلا كطفيلي

بعيدًا عن كونها بديلًا للرأسمالية، لا يمكن للاشتراكية أن توجد فعليًا إلا بوصفها طفيلًا على سوقٍ حر—محليًا كان أم خارجيًا. فكل قصة «نجاح» تُنسب إلى الاشتراكية تكون في جوهرها مدعومة بمحركٍ رأسمالي.

سواء تعلق الأمر بشركة فورد موتورز التي ساهمت في تأسيس صناعة السيارات السوفياتية ووفّرت محركات للدبابات خلال الحرب العالمية الثانية، أو بالأموال الضريبية التي يولدها القطاع الرأسمالي والتي تموّل دولة الرفاه في أوروبا، أو بحقيقة أنّ التطور التكنولوجي في الصين يعتمد إلى حدٍّ كبير على استنساخ ابتكارات العالم الرأسمالي—فالنمط واحد: الرأسمالية تُنتج، والاشتراكية تُعيد التوزيع. ولا يهم إن كان هذا التوزيع يتم عبر مكتب تخطيط سوفياتي، أو إدارة رفاه اجتماعي إسكندنافية، أو وزارة في بكين تزيّن جدرانها شعارات الحزب. فالآلية واحدة: دائمًا: لا بدّ أن تنتج الثروة أولًا، قبل أن تتمكن الدولة من الاستحواذ عليها.

لهذا السبب، فإن كل نموذج يُستشهد به لإثبات «نجاح» الاشتراكية يقوم في جوهره على أساس رأسمالي. فالسويد لم تصبح غنيّة بعد بناء دولة الرفاه؛ بل اغتنت في ظلّ اقتصاد سوقٍ مرن ومحرَّر. أما عقود الديمقراطية الاجتماعية ذات الضرائب المرتفعة التي تلت ذلك فقد كادت أن تفلس البلاد. ولم يستقرّ الاقتصاد السويدي إلا عندما شرع في التسعينيات في تحرير الأسواق، والخصخصة، وخفض الضرائب. ليست «المعجزة السويدية» معجزةً اشتراكية، بل تعافٍ رأسمالي يرتدي شارةً اجتماعية ديمقراطية.

وألمانيا حالة مماثلة. فقوة «اقتصاد السوق الاجتماعي» الألماني لا تكمن في بيروقراطيته، بل في مصانعه. ازدهاره نابع من شركاتٍ خاصة، ومن قدرة تنافسية تصديرية عالية، ومن ثقافة راسخة في التفوق التقني. دولة الرفاه موجودة لأن القطاع الخاص قويّ. وكلما حاولت برلين توسيع إعادة التوزيع بوتيرة أسرع من الإنتاج، تراجع النمو. فلا يمكن لدولة الرفاه أن تتضخم إلى ما لا نهاية على حساب الجسد الذي يغذيها.

تدرك دول الشمال الأوروبي—الدنمارك والنرويج وفنلندا والسويد—هذه الحقيقة أفضل من مُعجبيها في الخارج. فهي تحمي حقوق الملكية، وتشجّع الاستثمار الخاص، وتتبنّى التجارة الحرة، وتُعزّز أسواق عملٍ مرنة. هي لا تعادي رأس المال، بل تستثمر فيه وتستنزف عوائده.. برامجها الاجتماعية مكلفة وبيروقراطية، لكنها مموّلة من الثروة نفسها التي يدّعي الاشتراكيون كراهيتها. ومن دون ضرائب الشركات، وعوائد الاستثمارات، والابتكار، والتوظيف المرتفع الذي تولّده الأسواق، ينهار «النموذج الشمالي» حسابيًا—إذ لا يبقى ما يُعاد توزيعه.

يبرز النمط ذاته على المسرح الدولي. كثيرًا ما تُقدَّم الصين مثالًا على تفوّق «الاقتصادات المُخطّطة» أو المُوجَّهة دولتيًا على الرأسمالية. غير أنّ الواقع أقلّ شاعرية بكثير. فقد كادت الاشتراكية الماوية أن تميت البلاد جوعًا. ولم يبدأ النمو إلا بعد أن فكّ دنغ شياو بينغ قيود الجماعية، وفتح الاقتصاد أمام الاستثمار الأجنبي، وبنى أسواقًا تصديرية. لقد اندمجت الصين في الرأسمالية العالمية؛ وباتت «مصنع العالم» من خلال البيع للمستهلكين الغربيين، وجذب رأس المال الغربي، واستيراد التكنولوجيا الغربية. وحتى اليوم، ورغم الخطاب القومي، يظلّ النموذج الصيني طفيليًا: سرقة ملكية فكرية عبر التجسّس وشراكاتٍ قسرية، ودعم أبطالٍ حكوميين على حساب منافسين خاصين، والتعامل مع الابتكار بوصفه موردًا يُحصَد لا شيئًا يُخلَق. يعتمد الحزب على الدول الرأسمالية لاختراع الأشياء التي يقوم لاحقًا بتصنيعها بتكلفة منخفضة. وإذا جُرِّدت الصين من الأسواق الغربية، والتكنولوجيا الغربية، والاستثمار الغربي، فإن محركها الاقتصادي يتعثر.

انظر إلى الأنظمة التي حاولت الانفصال كليًا. دمّرت فنزويلا القطاع الخاص، وثبّتت الأسعار، وصادرت المصانع، وشيطنت عالم الأعمال. لفترةٍ قصيرة، عاشت حكومة تشافيز على ازدهار السلع الأولية؛ إذ أبقت عائدات النفط الوهم الاشتراكي طافيًا. لكن حين انهارت الأسعار، انهارت الدولة معها. وكوبا سلكت المسار نفسه لعقود؛ فالسياحة القادمة من الأجانب الأثرياء وتحويلات المهاجرين تعوّض اقتصادًا تعجز الدولة عن توليده ذاتيًا. الخطاب ثوري، لكن الجوهر طفيلي.

الاشتراكية طفيلية تقتات على الفائض. إنها لا تبني محركات، بل تعيش على الفائض الذي ينتجه الآخرون. وحين يكون هذا الفائض وفيرًا، تعلن النصر؛ وحين يضيق المورد، تلقي اللوم على الأسواق، والمضاربين، والمخربين—على أي طرف سوى نفسها.

الحقيقة بسيطة: الازدهار يأتي من الإنتاج، وريادة الأعمال، والاستثمار، والمخاطرة، والمنافسة—وهذا هو جوهر الرأسمالية. أمّا إعادة التوزيع فتأتي لاحقًا— وهذا هو جوهر الاشتراكية. من دون المُضيف، يموت الطفيلي. النقاش ليس أخلاقيًا ولا عاطفيًا؛ بل حول قوانين الواقع فالنظام القائم على إعادة التوزيع، حين يهاجم منتجيه، ينتهي به الأمر إلى استهلاكهم. والدولة التي تعتقد أنها قادرة على استبدال الأسواق، تُفقِر شعبها في النهاية. والسجلّ التاريخي غير ملتبس.

إن كان الهدف ازدهار الإنسان، فليست الرأسمالية من تحتاج إلى تبرير. بل الاشتراكية—التي لم تعش إلا بالتشبّث بالنظام الذي تزعم تجاوزه، بينما خلّفت بؤسًا لا يُحصى أينما حاولت الهيمنة.

بقلم نيكولاس وود-سميث باحثٌ مشارك في «مؤسسة السوق الحر»، ومنسّق إقليم الكيب الغربي لحملة الحكم الذاتي التابعة للمؤسسة.

لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.

Read Previous

لا حرية بدون مسؤولية فردية

Read Next

تحرر المرأة: الابتكار قبل الأيديولوجيا