• مارس 13, 2026

فخ التفضيلات: محدودية الاقتصاد في فهم الأخلاق

يُعدّ علم الاقتصاد أداةً فعّالة لتقييم السياسات العامة وقياس كفاءتها، غير أن النظرية الاقتصادية وحدها، تُشكّل منظورًا فقيرًا ومحدودًا جدًا لفهم القضايا الأخلاقية.

لقد امتدح الاقتصاد منذ زمن طويل لإظهاره كيف يمكن للتعاون الطوعي أن يحقق نتائج مفيدة للطرفين، حتى عندما يُفترض أن الأفراد يتصرفون أساسًا بدافع المصلحة الشخصية. ومنذ عهد آدم سميث، شددت النظرية الاقتصادية على أن الأسواق والحرية الفردية تتيحان التنسيق والتخصص وتحقيق الازدهار. وقد أثبت هذا الإطار نجاحًا كبيرًا في تفسير خلق الثروة وكفاءة التبادل اللامركزي. لكن النموذج القائم على تعظيم التفضيلات—الذي يُعدّ حجر الزاوية في الاقتصاد الحديث—يصبح إشكاليًا للغاية عندما يُعامل كفلسفة أخلاقية مكتفية ذاتيًا.

تعود الجذور الفكرية لهذه الإشكالية إلى التقليد النفعي المرتبط بجيريمي بنثام. فقد قام مبدأ المنفعة عند بنثام على أن الأفعال والسياسات ينبغي أن تهدف إلى تحقيق “أعظم قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس”. وافترض بنثام أن السعادة يمكن قياسها على مقياس كمي واحد، مما يسمح لصانعي السياسات بالمقارنة بين البدائل واختيار ما يزيد من إجمالي الرفاه. بل إن بعض الاقتصاديين الأوائل تحدثوا عن “وحدات منفعة” (utils) بوصفها وحدات افتراضية لقياس الرضا. وقد وعد هذا التصور بمنهج عقلاني ومنظم لتقييم السياسات العامة. غير أن هذا النهج واجه سريعًا اعتراضات فلسفية. فقد رأى جون ستيوارت مل أن السعادة ليست متجانسة، بل تتكون من تجارب نوعية متباينة؛ فالارتقاء العقلي، والكرامة الأخلاقية، واللذة الحسية، لا يمكن اختزالها بسهولة في مقياس واحد. وإذا أصبحت السعادة غير قابلة للقياس أو المقارنة بين الأفراد، فإن المشروع النفعي لتعظيم الرفاه الكلي يفقد وضوحه المفاهيمي. ومن دون أداة موثوقة لقياس الرضا أو مقارنته، تصبح فكرة تعظيم “إجمالي السعادة” هشّة.

استجاب الاقتصاد الحديث لهذه الإشكالية عبر أعمال فيلفريدو باريتو. فقد رفض باريتو مفهوم المنفعة القابلة للقياس العددي (المنفعة الكاردينالية)، وطوّر بدلًا منه مفهوم المنفعة الترتيبية (المنفعة الأوردينالية)، التي تركز على ترتيب التفضيلات لا على قياسها. وبدلًا من محاولة قياس السعادة، يدرس الاقتصاديون كيف يرتّب الأفراد خياراتهم. ومع الجمع بين هذا المفهوم ونظرية المنفعة الحدية، أتاح هذا التحول للاقتصاديين تفسير سلوك المستهلك ونتائج السوق دون الحاجة إلى مقارنات بين الأفراد بشأن رفاهيتهم. في إطار هذا النموذج، يكشف الأفراد عن رفاهيتهم من خلال التبادل الطوعي. فقد يفضّل المستهلك في البداية التفاح على البرتقال، ولكن مع ظهور المنفعة الحدية المتناقصة، تصبح التفاحات الإضافية أقل قيمة، ما قد يؤدي إلى عكس التفضيلات على الهامش. وعندما يتبادل شخصان سلعة طواعية، يستنتج الاقتصاديون أن كلاهما يتوقع الاستفادة؛ وإلا فلن يشاركوا في التبادل. وبناءً على افتراضات مثل السلوك العقلاني وتوافر المعلومات الكافية، يُفترض أن التبادل في السوق يعزز الرفاهية العامة.

غير أن التعقيد يظهر حين تبرز “الآثار الخارجية”، أي الحالات التي يترتب فيها على المعاملات تكاليف أو منافع لأطراف ثالثة. وتقترح النظرية الاقتصادية حلولًا مثل الضرائب البيغوفية التي تُدخل التكاليف الاجتماعية ضمن الحسابات الخاصة، أو المساومات الكوزية التي تتيح للأطراف المتضررة التفاوض على تعويض. وتهدف هذه الآليات إلى استعادة الكفاءة عن طريق تضمين التأثيرات الخارجية ضمن قرارات السوق. وغالبًا ما تتمحور النقاشات حول “فشل السوق” بشأن ما إذا كان بالإمكان عبر تصميم مؤسسي أفضل ومعلومات أوفى مواءمة التبادل الطوعي مع تعظيم الرفاه.

لكن النقد الأعمق يتعلّق بالحياد الأخلاقي الكامن في نموذج إشباع التفضيلات. فالاقتصاد يعامل جميع التفضيلات بوصفها مدخلات متساوية القيمة في تحليل الرفاه. فهو لا يميز بين تفضيلات تقوم على تحيّز أو كراهية، وتفضيلات تعكس طموحًا مشروعًا للتقدم الشخصي. ولا يفرّق بين اختيارات قد تكون مدمّرة للذات وأخرى تعزز الازدهار الإنساني. صحيح أن هذا الحياد يمنح التحليل الاقتصادي دقة منهجية، لكنه يُضعف سلطته بوصفه مرشدًا أخلاقيًا. ثم إن النموذج الاقتصادي يفتقر إلى مقاييس موضوعية للرضا. فلم يتحقق يومًا “مقياس السعادة” الذي تخيله بنثام. وحتى لو أمكن قياس السعادة، فإن اختزال التقييم الأخلاقي إلى مجموع التفضيلات المُشبَعة يُهمل أبعادًا جوهرية مثل الحقوق، والواجبات، والعدالة، والفضيلة. فالاستدلال الأخلاقي لا ينحصر في النتائج، بل يمتد إلى الإجراءات والمبادئ التي تُنتج تلك النتائج.

وتُبرز تقاليد أخلاقية أخرى هذه الأبعاد الأوسع. فالأخلاق الكانطية تشدد على الواجب والمبادئ القابلة للتعميم، بينما تركز أخلاقيات الفضيلة على تكوين الشخصية والتطور الأخلاقي. كما أن التقاليد الدينية والثقافية تتضمن معايير تضبط السلوك بمعزل عن منطق تعظيم التفضيلات. وتشير هذه الرؤى إلى أن الأفراد لا يهتمون فقط بتحقيق النتائج التي يفضلونها، بل كذلك بأن يتصرفوا على نحو صحيح، وأن يصيروا أشخاصًا من نوع معين.

خلاصة القول، إن الاقتصاد الحديث يوفر إطارًا قويًا لتحليل التعاون والأسواق وكفاءة السياسات. وقد أفضت منهجيته القائمة على التفضيلات إلى رؤى عميقة حول التنسيق وتحسين الرفاهية. غير أن البساطة التي تمنحه قوته التحليلية هي نفسها التي تحدّ من أفقه الأخلاقي. فتعظيم التفضيلات وحده لا يمكنه تقديم تفسير شامل للتقييم الأخلاقي. إن فهمًا أعمق للرفاه الإنساني يقتضي دمج التحليل الاقتصادي برؤى فلسفية ومعيارية أوسع، تعترف بتعدد أبعاد الحياة الأخلاقية والنظام الاجتماعي، وتقرّ بأن الإنسان ليس مجرد مُعظِّمٍ لتفضيلاته، بل كائنٌ أخلاقي يسعى إلى الخير والعدل والمعنى.

بقلم: آدم غُرّي مؤسس ورئيس تحرير Liberal Currents

https://www.libertarianism.org/columns/morality-economics-problem-preferences

Read Previous

من الانهيار إلى الازدهار: حين تحررت مجتمعات أوروبا الوسطى والشرقية من الشيوعية

Read Next

أوهام الحلول الشعبوية: الحقائق الاقتصادية الغائبة في تسعير الدواء