من أقوى الحجج المؤيِّدة للملكية الخاصة ما يلي: إنّ الشخص الذي يمتلك أهليةً قانونيةً معترفًا بها لاقتناء الملكية الخاصة والانتفاع بها، يميل—في العموم—إلى سلوكٍ أفضل نسبيًا.
لن يكون مثاليا. أحيانًا سيسيئ استخدام قدراته، بما فيها القدرة على التملك والانتفاع من الملكية الخاصة. وأحيانًا قد يكون سلوكهم سيئًا للغاية. لكن، في المجمل، لا يكون هذا هو الحال، لأن الملكية غالبًا ما تخلق حوافز لتجنّب السلوك السيئ، وتدفع إلى نمطٍ من الحياة «البرجوازية» المنضبطة. وهذا—على خلاف ما قد يُتوهَّم—ليس أمرًا سيّئًا.
وكما كتب ديفيد هيوم:
» ألا يرى المرء… أنّ كلّ ما يُنتَج أو يُحسَّن بفنّ الإنسان أو صناعته ينبغي أن يُؤمَّن له إلى الأبد، تشجيعًا لتلك العادات والمهارات النافعة؟ وأنّ الملكية ينبغي أن تنتقل إلى الأبناء والأقارب للغرض النافع نفسه؟ وأنه يجوز التصرّف فيها بالتراضي، من أجل توليد تلك التجارة والتبادل اللذين يعودان بنفع عظيم على المجتمع الإنساني؟ وأنّ العقود والوعود يجب الوفاء بها بعناية، ضمانًا للثقة المتبادلة والاطمئنان، اللذين بهما تُعزَّز المصلحة العامة للبشرية إلى حدّ كبير؟
تأمّلوا كتابات منظّري قوانين الطبيعة، وستجدون دائمًا أنه —مهما اختلفت مبادئ انطلاقهم— فإنهم ينتهون في النهاية إلى هذه النقطة ذاتها، ويجعلون الملاءمة وحاجات البشر العلّة النهائية لكلّ قاعدة يضعونها… «
تُحدِث الملكية مجموعةً من التغيّرات المعقّدة في سلوكنا، وهي—في مجملها—تغييرات إيجابية. فالملكية تجعل الناس أكثر حذقًا واجتهادًا، وأكثر التزامًا بالضمير. تدفعهم للتفكير في كيفية الادّخار للمستقبل، وفي تعظيم الاستفادة مما يملكون. كما تجعلهم يتساءلون عن سبل أن يكونوا أكثر إنتاجية من غيرهم ممن يملكون موارد مماثلة، وتوجّه تفكيرهم نحو تلبية «حاجات البشر وضروراتهم»، على حدّ تعبير هيوم. ونحن جميعًا نستفيد عندما يتصرّف الناس عمومًا على هذا النحو.
وغالبًا ما يُساء فهم هيوم بوصفه منكرًا للحقوق الطبيعية. لكنّ الحُجّة أعلاه ينبغي—في رأيي—أن تُعدّ تأكيدًا لهذه الحقوق، ووصفًا لآليتها في سياقها الاجتماعي الصحيح. فالحقوق الطبيعية لا تعمل بعناية إلهية مباشرة، ولا في سيناريوهات «روبنسون كروزو» المعزولة، بل من خلال السمات والاستعدادات الشائعة لدى الناس داخل المجتمع، وهم يتبادلون المنافع ويسعون إلى المصلحة والأمان الفرديين. إن حقوق الملكية تعمل لأنها منسجمة مع الطبيعة البشرية. وهي حقوق جيدة، ويصحّ وصفها بالطبيعية، لأن الاعتراف بها، في المجمل، يُنتج آثارًا طيبة علينا.
ويُطلق على هذا التحوّل اسم انضباط السوق. فتطبيق حقوق الملكية على الجميع يفرض هذا الانضباط على الجميع، وفي مثل هذا المجتمع يسعى كلّ فرد بجدّ إلى مصلحته عبر التبادل مع الآخرين، أي عبر الإشباع المتبادل للحاجات. وعلى نحو تناقضيّ، يمكن أن يُسمّى هذا… نوعًا من الإيثار؛ لأنّ الناس سيعملون بجدّ بالغ، ولأنّ قدرًا كبيرًا من ثمار عملهم سينعكس نفعه على غيرهم.
في المقابل، يوجد نوع معيّن من الأنانيين يقبل بفرض انضباط السوق، ولكن على الآخرين فقط، وليس على نفسه أبدًا. ففي العالم المثالي للأناني الخالص، يكون هو شخصيًا حرًّا في تجاهل قيود الملكية الخاصة، بينما تظل مُلزِمة للجميع سواه. وهذا يضعه في موقع بالغ الامتياز: إذ يحصل على كل المنافع التي يوفّرها انضباط السوق، من دون أن يضطر إلى العمل من أجلها. فهو يعيش محاطًا بأشخاص فاضلين، مطيعين، مجتهدين، وصادقين إلى درجة لا تخطر ببالهم السرقة منه، بينما هو يسرق طوال الوقت.
يمكننا، بطبيعة الحال، أن ننتقد هذه الاستراتيجية بوصفها نفاقًا، وأنّ قواعدها لا تصلح للتعميم، وأنها غير أخلاقية لأنها تتعامل مع الآخرين كمجرّد وسائل لتحقيق غايات الأناني. بل يمكننا القول إنها تنتهك جملةً من الوصايا الأخلاقية. لكننا لا نستطيع القول إنها غير عملية: فهي تعمل. ويا للأسف.
وهذا بالضبط هو موقع الدولة؛ إذ اعتادت أن تفرض على معظم مواطنيها واجبات الملكية القانونية القائمة على المسؤولية، بينما تُعفي نفسها من الخضوع للواجبات ذاتها. فالدولة التي تُدار بدهاء لا تأخذ من الملكية إلا ثمارها، ولا تتحمّل انضباطها. ويبقى تأديب مثل هذه الدولة أمرًا ضروريًا، بمعنى ما، لكنه تأديب لا يوفّره السوق.
بقلم جيسون كوزنيتسكي، زميل أقدم سابقًا ومحرّر «كتب كاتو».
لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.
https://www.libertarianism.org/columns/state-market-discipline
