في هذا المقتطف من كتاب «المغالطات الاقتصادية «يسعى باستيا إلى تفنيد الفكرة الشائعة القائلة بأن على صانعي السياسات السعيُ لتحقيق «أسعار مرتفعة» أو «أسعار منخفضة». فالمسألة – في جوهرها – ليست صراعاً بين غلاء يرغب فيه المنتج، ورخصٍ ينشده المستهلك، كما يتوهّم كثيرون.
سواء كنا من أنصار التجارة الحرة أو من دعاة الحماية، فإننا جميعاً مضطرون لاستخدام عبارتي الأسعار العالية والأسعار المنخفضة. فالأولون يتغنون بالأسعار المنخفضة خدمةً للمستهلك، والآخرون يدافعون عن الأسعار المرتفعة حمايةً للمنتج. وهناك فئة ثالثة تقول: ««المنتج والمستهلك شخص واحد»؛ لكنها تترك السؤال معلّقاً: هل ينبغي للقانون أن يستهدف الارتفاع أم الانخفاض؟
أمام هذا الاضطراب، يبدو أن الخيار الطبيعي الوحيد هو ترك الأسعار تتحدد بحرية. غير أن خصوم «دَعْه يعمل، دَعْه يمر» يرفضون هذا بمنتهى الإصرار، ويطالبون بتدخّل القانون – حتى من دون أن يعرفوا في أي اتجاه ينبغي أن يتدخل! وهنا يذكّرنا باستيا بأن عبء الإثبات يقع على من يريد استخدام القانون لرفع الأسعار أو خفضها بطريقة مصطنعة: عليه هو أن يبرّر ذلك. أما الأصل فهو أن السوق الحرّة صالحة ما لم يُثبت العكس لأنها ببساطة تترك الأسعار تتشكل بصورة طبيعية.
لكن الأدوار انعكست؛ فقد نجح دعاة الأسعار المرتفعة في فرض نظامهم، وأصبح على أنصار الأسعار الطبيعية أن يثبتوا تفوق نظامهم. وهكذا تحوّل الجدل بأكمله إلى نزاع حول معنى كلمتين: «الارتفاع» و«الانخفاض». وفي كلا الجانبين، يدور الجدل حول معنى هاتين العبارتين. ولهذا كان لا بد من كشف اللبس القابع خلفهما.
غير أننا قبل ذلك نشير إلى سلسلة من الوقائع التي قد تُربك أنصار كلا المعسكرين:
سعى دعاة الحماية إلى رفع الأسعار عبر فرض رسوم جمركية وقائية؛ لكن، ولدهشتهم وخيبتهم، انخفضت الأسعار!
وحاول أنصار التجارة الحرة خفض الأسعار بإزالة الرسوم لكن، ولذهولهم الكبير، ما حدث بعد ذلك هو ارتفاع الأسعار!
فعلى سبيل المثال، في فرنسا، ومن أجل دعم الزراعة، فُرضت ضريبة قدرها 22% على الصوف الأجنبي؛ ومع ذلك، أصبح الصوف المحلي يُباع بسعر أقل بعد القانون مما كان عليه قبله. وفي إنجلترا، أُلغي رسم الصوف كلياً تيسيراً على المستهلك، ومع ذلك أصبح سعر الصوف الإنجليزي أعلى من أي وقت مضى.
وليست هذه حالات شاذّة؛ فليس للصوف قانون خاص يحكمه وحده. كلما تشابهت الظروف تكرّر المشهد نفسه: الحماية كثيراً ما تُفضي إلى انخفاض الأسعار، والمنافسة الحرة كثيراً ما تُفضي إلى ارتفاعها. وهكذا بلغ الجدل حدّ التناقض، حتى قال الحمائيون لمخالفيهم»: نظامنا هو الذي يحقق لكم هذه الأسعار المنخفضة التي تتباهون بها! « فردّ عليهم هؤلاء: » وتجارتنا الحرّة هي التي تمنحكم تلك الأسعار المرتفعة التي تعدّونها مفيدة«!.
أليس مضحكاً أن تصبح الأسعار المنخفضة شعاراً يرفعه سكان شارع «هوتفيل»، والأسعار المرتفعة كلمة سرّ في شارع «شوازول»؟
من الواضح أن هناك وهماً مشتركاً ينبغي تبديده. ولتوضيح الصورة، يدعونا باستيا إلى تخيّل أمتين معزولتين، كل منهما تضم مليون نسمة. ولنفترض أنّ إحداهما، مع تساوي باقي العوامل، تمتلك ضعف ما تمتلكه الأخرى من كلّ شيء: القمح، اللحم، الحديد، الأثاث، الوقود، الكتب، الملابس، وغيرها. من الواضح إذن أنّ إحدى الدولتين أغنى من الأخرى بمرّتين.
غير أنه لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن الأسعار النقدية في البلد الغني ستكون أدنى من البلد الفقير؛ بل ربما كانت أعلى! فليس غريباً أن تكون الأسعار في الولايات المتحدة – اسماً – أعلى من أسعارها في بولندا، ومع ذلك يعيش الأميركيون بوفرة أكبر وأفضل حالاً من جميع النواحي. ومن هنا يتبيّن أن الثروة لا تُقاس بارتفاع الأسعار النقدية للسلع أو انخفاضها، بل بوفرة السلع نفسها. وعليه، حين نقارن بين الحماية والتجارة الحرة، لا يجب أن نسأل: أيهما يجلب أسعاراً مرتفعة أو منخفضة؟ بل يجب أن نسأل: أيّهما يؤدي إلى الوفرة، وأيهما يؤدي إلى الندرة؟
فمن الجدير بالانتباه أنّه عند تبادل السلع، فإنَّ الندرة النسبية لكلِّ شيء والوفرة النسبية لكلِّ شيء تؤدّي إلى بقاء الأسعار النقدية للسلع في المستوى نفسه تمامًا، لكنّهما لا تُبقيان الأوضاع النسبية لسكان البلدين على الدرجة نفسها. لذلك فالثراء الحقيقي يكمن في الوفرة، لا في الأرقام المدوّنة على الملصقات.
بقلم فريديريك باستيا
لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.
https://www.libertarianism.org/publications/essays/high-prices-low-prices
