• يناير 30, 2026

تجاهل حكمة جان بابتيست ساي سيدمّر العالم

لقد قدم الاقتصادي الفرنسي جان بابتيست ساي، فكرة بسيطة في ظاهرها لكنها جوهرية إلى حد أنها تستحق أن تُوشم على جبين كل اقتصادي: إذا أردت أن تستهلك، يجب أولًا أن تنتج. وفي الواقع العملي، يعني هذا: لكي تشتري أي شيء، عليك أن تصنع شيئاً ذا قيمة، سواء كانت سلعة، خدمة، أو عملك الذي يحتاجه الآخرون. ثم تقوم بمبادلة ما أنتجته بما ترغب فيه، وتظل النقود مجرد وسيط تسهل هذه العملية.

لكن هذه الفكرة الواضحة حوّرها كينز وتلامذته لاحقاً إلى شعار كاريكاتوري: “العرض يخلق الطلب الخاص به”. هذا التفسير المشوه يوحي بأن ساي كان يعتقد أن كل ما يُنتج يجد تلقائياً مشترياً، وهو ما لم يقله أبداً. ما قصده ساي هو أن الإنتاج هو المصدر الجذري للطلب؛ فقط بالإنتاج يولد الناس الدخل والقدرة الشرائية لشراء إنتاج الآخرين. إذا أزلت الإنتاج، انهارت سلسلة الطلب كلها.

تنشأ المشكلات الاقتصادية لأن كثيرين يفضلون الاستهلاك دون إنتاج.  يريدون أن يأكلوا دون أن يزرعوا، وأن ينفقوا دون أن يكسبوا، وأن يعيشوا في غنى دون أن يقدموا أي شيء ذي قيمة لغيرهم. بعضهم يكتفي بالسرقة، لكن الغريب أن هذه ليست المشكلة الحقيقية. السرقة التقليدية — مهما كانت سيئة — ليست مشكلة غير قابلة للحل. فالسارق الذي يقتحم بيتك أو يهددك بالسلاح يكون صريحًا في خيانته، وهناك وسائل لإيقافه: أسلاك، كلاب، أسوار عالية. لكن المشكلة الحقيقية تكمن فيمن يكتشفون أنه إذا جمعوا أعدادًا كافية، يمكنهم إضفاء الشرعية على سرقتهم: أي أخذ ما يريدون دون خوف من أسوار أو كلاب أو عقوبات. هنا يظهر دور الضرائب. لم يعد اللصوص يقتحمون البيوت ليلاً متخفين بالأقنعة، بل يأتون في وضح النهار مرتدين البدلات الرسمية، وتحت غطاء القانون بكل هيبته، ليعلنوا النسبة من عرق حياتك التي سيستولون عليها. وإذا اعترضت بشدة، فسوف يزجون بك في قفص، أو ما هو أسوأ.

ومع ذلك، حتى الضرائب ليست الوسيلة الأكثر خبثًا التي يستخدمها بعض الناس للاستهلاك دون إنتاج. الأسوأ هو فن التضخم النقدي. إنهم يخلقون المال من العدم – رقميًا أو ورقيًا – وينفقونه أولًا، فيأخذون منا دون إنتاج شيء.

لو فعلت ذلك، لسُمّيت مزوّرًا وسُجنت، أما هم فيسمّون ذلك “السياسة النقدية”. إنهم يطبعون المال ويستفيدون من قيمته الكاملة قبل أن يتسرب إلى الاقتصاد الأوسع. وبحلول الوقت الذي تصل فيه هذه الأموال الجديدة إلى أيدينا، تكون قد فقدت جزءًا من قيمتها، فتتآكل مدخراتنا وقوتنا الشرائية بصمت. تشعر بأنك أفقر، لكنك لا تعرف من سرقك، فتلوم “ارتفاع الأسعار”، أو “ جشع الرأسماليين”، أو أي أحد وأي شيء آخر غير المسؤول الحقيقي.

 

كل هذا سيكون أقل مأساوية لو لم يكن متوقعًا للغاية. قانون ساي يخبرنا أن الإنتاج يجب أن يسبق الاستهلاك، لكن صناع السياسات اليوم، المخمورين بالديون والمال الورقي، يظنون أن الاستهلاك هو المحرك. يقولون: “إذا أنفقنا بما فيه الكفاية، سنصبح أغنياء”. إنهم يعكسون الترتيب، معتقدين أن الطلب يخلق العرض، وهو ما لا يحدث أبدًا، على الأقل ليس بشكل مستدام. إن رفض قبول حكمة ساي البسيطة هو ما يقود إلى العجز المالي المستمر والمضاربة اللانهائية. عندما ينسى الناس أنه لشراء شيء ما يجب أولًا إنتاج شيء ما، تتحول الأمم من الاعتماد على الذات إلى العيش على حساب الآخرين، ومن الادخار إلى الاستدانة، ومن التجارة الشريفة إلى النهب القانوني، وخطوة بخطوة، ننجرف من مجتمع منتجين إلى مجتمع ناهبين. ومن الصعب أن يدوم مجتمع قائم على النهب طويلًا. ففي النهاية، لن يبقى هناك شيء يُنهَب.

ربما حان الوقت لإعادة اكتشاف الحقيقة الصعبة والبسيطة وغير المريحة التي أكدها جان بابتيست ساي: قبل أن تستهلك، عليك أن تنتج. قبل أن تطلب، عليك أن توفر. قبل أن تعيش على ثروة الآخرين، اسأل أولًا: هل ستبقى هناك أي ثروة أصلًا إذا حاول الجميع فعل الشيء نفسه؟

وإذا استمررنا في تجاهل الحكمة الخالدة لجان بابتيست ساي، فلن تنقذنا أي طباعة أو اقتراض أو ضرائب من الانهيار؛ تذكّرها، وربما يمكننا بعد ذلك إنقاذ وضعنا المريع وبناء عالم من الازدهار يفوق خيالنا.

 

بقلم دانيال أغباكي، اقتصادي نيجيري أستروليبرالي ومتدرب بمعهد ميسيس

 

لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.

Read Previous

الثقافة العربية وقول الحقيقة

Read Next

المفكرون المسلمون الذين ألهموا سبينوزا ولوك وديفو