لا زالت مستويات الدخل في معظم أنحاء العالم العربي متأخرة كثيرًا مقارنة بالدول الغربية. وإلى جانب ما يترتب على ذلك من فقر وتدنّي مستويات المعيشة، يرى العديد من المحللين أن هذا الأداء الاقتصادي الضعيف يُعد عاملًا رئيسيًا وراء عدم الاستقرار السياسي في المنطقة، الذي يُثني عن الاستثمار، مما يغذي هذه الحلقة المفرغة بلا انقطاع. وحتى في الدول العربية الغنية بالموارد الطبيعية، يتزايد الإلحاح على تنويع الاقتصاد. فبدون استثمارات استراتيجية إضافية، سيظل العالم العربي يعاني من انخفاض الإنتاجية وضعف القدرة التنافسية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لصنّاع السياسات في الدول العربية تحفيز اقتصاداتهم ورفع مستويات الإنتاجية؟
قد يكون أحد الحلول المحتملة خفض كلفة ممارسة الأعمال التجارية وتسهيل الوصول إلى الأسواق الدولية، لا سيما إذا أدت التجارة إلى زيادة المبيعات وتحسين الإنتاجية. ويؤكد خبراء الأعمال الدوليون أن التجارة قادرة على رفع الإنتاجية من خلال نقل المعرفة من المشترين الأجانب المتقدمين، أو عبر الاحتكاك بأفضل الممارسات والتقنيات التي يعتمدها الشركاء أو المنافسون العالميون. لكن يبقى السؤال: هل تؤكد البيانات هذه النظرية الاقتصادية؟
بالشراكة مع آدم عثمان، الأستاذ المساعد في الاقتصاد بجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين، قمنا بتصميم تجربة ميدانية في مصر لاختبار هذه الفرضية. توجهنا إلى المعارض التجارية، واستعنا بمسوّقين أمريكيين لتأمين طلبات تصدير من مشترين أجانب، من بينهم متاجر أثاث أمريكية راقية، لشراء سجاد مصري يدوي الصنع. ثم أتحنا لمجموعة مختارة عشوائيًا من صغار المنتجين المصريين فرصة تنفيذ هذه الطلبات التصديرية الأولية. وكما هو الحال في أي علاقة تجارية طبيعية، تركنا للمشترين والوسطاء المحليين قرار الاستمرار في الطلبات اللاحقة من عدمه. بعد ذلك، جمعنا بيانات شاملة تتعلق بالأرباح وجودة المنتجات والإنتاجية لدى الشركات التي شاركت في التصدير، وقارناها بالشركات الضابطة التي لم تُمنح فرصة العمل على طلبيات التصدير. ونظرًا لصعوبة المقارنة المباشرة بين جودة وإنتاجية السجاد المخصص للتصدير ونظيره الموجّه للسوق المحلية—بسبب اختلاف التصاميم والمواصفات—أنشأنا مختبرًا خاصًا يُنتج فيه عمال الشركات سجادًا متطابقًا باستخدام المعدات نفسها.
ومثلما تُقاس فعالية دواء ما عبر تجربة عشوائية محكمة، مكّنتنا هذه المنهجية من قياس أثر التصدير بدقة عبر مقارنة نتائج الشركات الخاضعة للتجربةوالشركات الضابطة. وأظهرت النتائج أن الشركات التي حصلت على فرصة التصدير كانت أكثر ميلًا للاستمرار في التصدير حتى بعد انتهاء الطلبات الأولى. والأهم من ذلك، لم تقتصر المكاسب على زيادة الصادرات، بل ارتفعت أرباح هذه الشركات بنحو 20%، كما تحسنت مستويات الجودة والإنتاجية لديها بشكل ملحوظ— مقارنة بالشركات الضابطة (حتى عند إنتاج سجاد موجه للسوق المحلية). وتكشف نتائجنا أن أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا التحسن في الإنتاجية يعود إلى تدفق المعلومات حول تقنيات نسج محددة ومعايير جودة من المشترين في الخارج إلى الشركات عبر الوسطاء المحليين. وهذه حالة تؤكد فيها البيانات صحة النظرية الاقتصادية.
تجعلنا هذه النتائج أكثر ثقة في أن السياسات التي تشجع الاستثمار وتخفض تكاليف التجارة قادرة على مساعدة الدول العربية على تقليص فجوة الإنتاجية وتعزيز النمو الاقتصادي. ولا تقتصر الفوائد على الجانب الاقتصادي فقط؛ إذ تشير الأدلة أيضًا إلى أن العلاقات التجارية القوية تسهم في تقليص النزاعات والتطرف، عبر دعم الاقتصادات المحلية وتقديم الدول الأجنبية كشركاء اقتصاديين نافعين، لا كقوى معادية.
وفي زمن يتزايد فيه التشكيك في جدوى التجارة الدولية، لا ينبغي أن ننسى أن التجارة كانت ولا تزال محركًا أساسيًا للنمو الاقتصادي. فجميعنا معنيّ بنجاح تنمية المناطق الفقيرة وغير المستقرة في العالم العربي وخارجه. وفي ظل إخفاق الحلول السياسية التقليدية في تحقيق الاستقرار بالمنطقة، تبدو الجهود الرامية إلى خفض الحواجز التجارية—مثل توسيع نطاق نظام الأفضليات المعممة الذي يقلل الرسوم الجمركية على واردات الدول الأشد فقرًا، أو إحياء مبادرة اتفاقية التجارة الحرة للشرق الأوسط المتعثرة— تُعد بلا شك خيارات جديرة بالاهتمام والاستكشاف.
إن تعزيز النمو الاقتصادي عبر توسيع التجارة ورفع الإنتاجية يظل السبيل الأنجع لضمان الاستقرار في مناطق هي بأمسّ الحاجة إليه.
بقلم أفيك روي، محرر الرأي في موقع Forbes
لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.
