إن التجارة، تمامًا مثل النمو الاقتصادي، ليست لعبةً ذات محصلة صفرية لا يستفيد منها سوى الصين – كما يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يعتقد الناس. فمثل هذا التفكير هو ما يزال يقود السياسات الحمائية في أنحاء عديدة من العالم، وقد آن الأوان لتحدّيه.
تعود جذور هذه النظرة إلى حقبة المركنتيلية في أوروبا، حين كان الاعتقاد السائد أن ثروة الدولة تُقاس بكمية الذهب أو الفضة التي تملكها، وأن السبيل إلى زيادتها هو تعظيم الصادرات وتقييد الواردات إلى أقصى حد ممكن. كان يُنظر إلى الثروة باعتبارها كمية ثابتة، لا تزداد إلا على حساب الآخرين، وكان الميزان التجاري الإيجابي هو الغاية القصوى. غير أن هذه الفكرة تهاوت مع ظهور آدم سميث وغيره من رواد الفكر الاقتصادي، الذين بيّنوا أن ثروة الأمم لا تكمن في مخزون الذهب أو الفضة، بل في قدرتها الإنتاجية، أي فيما يمكنها أن تصنعه وتقدّمه من سلع وخدمات.
هذه الفكرة قلّلت بشكل طبيعي من الدافع لزيادة الصادرات وتقييد الواردات. وقد مهّد هذا الاكتشاف الطريق لنظرية الميزة النسبية التي صاغها ديفيد ريكاردو، والتي تقول إن الدول تجني الفوائد عندما تُنتج السلع والخدمات التي تمتلك فيها كلفة فرصة بديلة أقلّ مقارنة بغيرها. حتى لو لم تكن لديها ميزة مطلقة، فإن التخصص فيما تجيده نسبيًّا يمنحها مكاسب حقيقية.
الفكرة بسيطة: من خلال التخصص والتبادل، يمكن لكل دولة أن تُنتج أكثر من السلع والخدمات، وتستورد من الدول الأخرى ما لا تُنتجه، لتعمّ الفائدة على الجميع. وهكذا يصبح العالم أكثر ازدهارًا وسلامًا، حيث لا يؤدي السعي لنتائج “صفرية المجموع” إلى صراعات الكل في غنى عنها. وبينما قدّم سميث وريكارْدو هذه الأفكار منذ قرون، إلا أنها تظل ضرورية لتبيان أن الحمائية ليست سياسة تجارية ذكية أو فعّالة.
فالحمائية في ذاتها تحمل أضرارًا واضحة: أسعار أعلى للمستهلكين بسبب غياب المنافسة، وصناعات ضعيفة تفتقر إلى الحافز للتحسن، ونزاعات تجارية تتفاقم بفعل سياسات الرد بالمثل من الدول الأخرى. وحين تُربط الحمائية بأهداف أخرى مثل تحقيق الإيرادات أو المكاسب الجيوسياسية، تصبح أكثر تدميراً لذاتها. فكيف يمكن لدولة أن تحمي صناعاتها عبر تقييد الواردات، ثم تتوقّع في الوقت ذاته زيادة عائداتها الجمركية؟ وكيف يمكنها أن تجعل الآخرين يعتمدون صناعاتك إن كنت تحجبها عن المنافسة العالمية؟
من السهل أن تبدو الحمائية مغرية على الورق، لكنها في الواقع لا تحقق وعودها. أما التجارة الحرة، ورغم عيوبها، فهي الطريق الأجدى نحو الازدهار المشترك والاستقرار العالمي. حين تكفّ الدول عن هوسها بفكرة “التعرّض للاستغلال”، وتركّز بدلًا من ذلك على إنتاج ما تملك فيه ميزة تنافسية حقيقية، تتحسن النتائج على جميع المستويات: المستهلكون يستفيدون من انخفاض الأسعار، والصناعات تزداد قوة بفضل المنافسة، وتتعاظم فرص التصدير، وتنحسر النزاعات بين الدول. مجتمعة، هذه التأثيرات تُولّد فوائد حقيقية ودائمة.
وإذا كانت المخاوف من فقدان الوظائف بسبب التجارة الحرة مفهومة، إلا أنها في الغالب نتيجة سوء تشخيص للمشكلة. فالصناعات الصينية أكثر تنافسية بسبب انخفاض تكاليف العمل وارتفاع الإنتاجية، ولا يمكن لأي قدر من الحمائية أن يغيّر هذه الحقيقة. بل إن حماية الصناعات المحلية المفرطة جعلتها أقل قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية. إذا كان الهدف هو جعل قطاع التصنيع أكثر تنافسية، فلا بد من مراجعة سياسات وقوانين الشغل المحلية. لن نستطيع مجاراة الصين ما لم نجرؤ على اتخاذ الخطوات الجريئة نفسها التي اتخذتها هي قبل أن تصبح “مصنع العالم“.
وعلى نطاق أوسع، يبقى رفض الحمائية واعتماد التجارة الحرة المسار الأذكى. فمن خلال التركيز على ما نملكه حقًّا من مزايا تنافسية، وجعل صناعاتنا قادرة على المنافسة عالميًّا، يمكننا خلق فرص العمل التي تحتاجها بلداننا بشدّة. إن نهج ترامب في التجارة ليس اقتصاديًّا، بل سياسيّ محض، هدفه كسب أوراق ضغط ضد الصين، لكن الأحداث تُظهر أنه الخاسر الحقيقي في هذه اللعبة.
لقد كانت الثروة، ولا تزال، موزعة توزيعًا غير متساوٍ بين الدول – وليس المطلوب فرض المساواة القسرية، بل خلق الفرص للجميع. فالتجارة الحرة، حين تُدار بصورة صحيحة، تظلّ النظام الأفضل لأنها تتيح لكل دولة أن تُنتج الثروة وتشارك في ثمار الاقتصاد العالمي.
آياندا ساخيل زولو هو كاتب وباحث مستقل متعاون مع The free Market foundation
لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.
