• مارس 28, 2026

نهاية احتكار الحكومات للنقود؟

ما هو المال؟ أهو النقود المعدنية والأوراق النقدية التي تحملها في جيبك؟ أم الأرصدة الموجودة في حسابك الجاري أو حسابات التوفير وسوق المال؟ أم قيمة الأسهم والسندات التي تملكها؟ إن الحكومة — ولا سيما مجلس الاحتياطي الفيدرالي — تقدّم أرقامًا مختلفة حول عرض النقود M0) القاعدة النقدية ; M1 النقود الضيقة ; M2 النقود الواسعة ; M3 السيولة العامة)، وهو ما يبيّن في حد ذاته أنه لا يوجد تعريف بسيط متفق عليه للمال.

الاقتصادي والتقني والفيلسوف جورج غيلدر، الذي ألّف العديد من الكتب الأكثر مبيعًا والمثيرة للجدل مثل «الثروة والفقر»، و«الميكروكوزم»، و«التيلكوزم»، و«الانتحار الجنسي»، و«المعرفة والسلطة»، نشر مؤخرًا مقالًا لافتًا بعنوان «حجّة القرن الحادي والعشرين لصالح الذهب: نظرية معلوماتية جديدة للمال». وخلاصة أطروحته أن المال هو في جوهره معلومات، وأنه في مرحلة ما سيظهر على الإنترنت شكل من النقود غير الحكومية شبيه بالبيتكوين، وسيندمج سعره مع سعر الذهب ليشكّل ما يمكن تسميته «الذهب الرقمي» (Bitgold).

ويشير غيلدر إلى وجود سبع وحدات قياس دولية أساسية، كلها تستند إلى ثوابت فيزيائية: الثانية لقياس الزمن، والمتر للطول، والكيلوغرام للكتلة، ودرجة كلفن للحرارة المطلقة، والأمبير لشدة التيار الكهربائي، والمول لقياس كمية المادة، والكانديلا لشدة الإضاءة. ولا يمكن لهذه الوحدات أن تكون متقلبة، لأنها تشكّل الأساس الذي تقوم عليه جميع الصناعات وأعمال البناء. ويرى غيلدر أن «الثانية» كوحدة لقياس الزمن هي الأكثر أساسية لأنها ثابتة وغير قابلة للتغيير ولا يمكن عكسها. ومن هنا يستنتج أن: «المال، بوصفه مقياسًا وحاملًا للمعلومات، يمكن أن يكون موثوقًا بقدر ما تكون قيمته أيضًا متجذّرة في الزمن.»

وكما يحدث مع كثير من الأمور التي تتدخل فيها الحكومة، فقد نجحت الحكومات في إحداث قدر كبير من الاضطراب في نظام النقود. فقد كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة يقصدون أن يكون المال قائمًا على الذهب والفضة، وقد ظل الارتباط — وإن كان ضعيفًا — مع الذهب قائمًا حتى عام 1971 (قرار الرئيس الأمريكي نيكسون).  أما اليوم، فلم يعد الدولار الأمريكي أو اليورو أو الين أو غيرها من العملات الرئيسية مرتبطًا بالذهب أو بأي سلعة أخرى. ويذهب غيلدر وآخرون إلى أن الذهب وحده هو المتجذّر في الزمن. غير أنّ من الصعب إنصاف هذا الطرح أو عرضه بالكامل في مقال قصير مثل هذا.

وقد ابتعدت البنوك المركزية الكبرى في العالم تدريجيًا عن هدف توفير «نقود سليمة» لمواطنيها، وركزت بشكل متزايد على استخدام السياسة النقدية لتمويل عجز الحكومات من خلال توفير تمويل رخيص. ويتم ذلك عبر خفض أسعار الفائدة بشكل مصطنع، وهو ما يُعد في الواقع ضريبة غير معلنة على المدخرين. كما أصبحت الحكومات أكثر تدخّلًا في مراقبة جميع المعاملات المالية تحت ذريعة مكافحة غسل الأموال، بينما يتمثل دافعها الحقيقي في تحصيل مزيد من الضرائب وفرض قدر أكبر من السيطرة على المواطنين.

أما المدافعون عن الحرية والنمو الاقتصادي وتكافؤ الفرص، فقد سعوا منذ سنوات إلى إيجاد حلول خاصة للالتفاف على إساءة الحكومات استخدام احتكارها للنقود. وقد كان التطور الأكثر وعدًا في هذا المجال المصرفي لتحرير الأفراد من القيود النقدية الحكومية هو ظهور البيتكوين، الذي يسمح بإجراء معاملات شبه مجهولة من شخص إلى آخر مباشرة، دون المرور عبر النظام المصرفي. ولهذا تعارض الحكومات بشدة فكرة البيتكوين والعملات المشابهة له، لأنها تقوّض بدرجة كبيرة قدرتها العالمية على مراقبة التحويلات المالية واستخلاص الرسوم والضرائب من تبادل السلع والخدمات والثروة.

وقد عبّر عدد من القادة السياسيين ورجال الأعمال والاقتصاديين المعروفين — مثل دونالد ترامب وجون ستوسل وستيف فوربس وجورج غيلدر — عن تفاؤل قوي بمستقبل هذه العملات، إذ يرى مؤيدوها أنها قد تخفض تكاليف المعاملات، وتعزز الازدهار، وتحد من توسع سلطة الحكومات.

وأنا أشاركهم هذه الأهداف والآمال، لكن — وهذا «لكن» كبير — فقد كتبت قبل ستة عشر عامًا كتابًا بعنوان» نهاية المال والصراع من أجل الخصوصية المالية «ناقشت فيه إمكانات النقود الرقمية الخاصة. وفي ذلك الوقت أخبرني الاقتصادي ميلتون فريدمان أنه رغم اتفاقه مع أطروحتي، فإن تحققها سيستغرق وقتًا أطول بكثير مما توقعت، وأن الحكومات ستضع المزيد من العقبات في الطريق. وقد كان فريدمان على حق، إذ كنت قد قللت من تقدير ما يمكن أن تفعله الحكومات لعرقلة أو تدمير أي محاولة لمنافسة احتكارها للنقود، بغض النظر عن مدى سوء إدارتها لهذا الاحتكار أو عن تدخلها في الحريات المدنية الأساسية.

ولهذا، فإن المواطنين الذين يرغبون في التحرر من استبداد النقود الحكومية ومن تدخلات «الأخ الأكبر» في شؤونهم المالية أن يبلغوا بوضوح ممثليهم المنتخبين بأنهم لن ينظروا بعين الرضا إلى أي محاولات لخنق التجارب النقدية العالمية الجديدة.

ريتشارد دبليو راهن باحث سابق في معهد كاتو.

https://www.cato.org/commentary/immutable-money

Read Previous

المؤسسات قبل الثروة: درس أمريكا اللاتينية!

Read Next

الفردانية: حرية لا أنانية