للأسف، ما يزال كثيرون غير مدركين للانخفاض الدراماتيكي في معدلات الفقر العالمي، فضلًا عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراءه.
فعلى الرغم من الركود الذي شهدته الدول الغربية مؤخرًا، يواصل الفقر المدقع تراجعه في البلدان النامية سريعة النمو. ذلك «الهروب من الفقر» الذي كان حكرًا في الماضي على الدول الصناعية في الغرب، بات اليوم واقعًا يتكرّر في «بقية العالم» أيضًا.
لقد كان الفقر الشديد هو القاعدة لمعظم الناس العاديين على امتداد التاريخ الإنساني. وحتى عام 1980، قدّر البنك الدولي أن نحو 50% من سكان العالم كانوا يعيشون في فقرٍ مدقع. بل إن الحياة نفسها، حتى في أكثر مناطق العالم تقدمًا اقتصاديًا، كانت بائسة إلى وقتٍ قريب نسبيًا. فعلى سبيل المثال، في أواخر القرن الثامن عشر، كانت فرنسا تحتل المرتبة الرابعة عالميًا من حيث مستوى المعيشة، بعد الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وهولندا.
حياة كئيبة
ومع ذلك، كان نحو 10 ملايين من أصل 23 مليون فرنسي يعتمدون على نوعٍ من الإحسان العام أو الخاص للبقاء، بينما كان 3 ملايين آخرين متسوّلين بدوامٍ كامل. وقبل الثورة الصناعية، كان العاملون في المزارع، بمن فيهم الأطفال، يقضون حياتهم في أعمال يدوية شاقة تكسّر الظهر، ويستهلكون معظم السعرات الحرارية التي ينتجونها. ولم يكن هناك وقت أو طاقة كافيان للتعلّم أو للراحة. وقليلون فقط كانوا يغادرون قراهم الأصلية لزيارة أقرب مدينة، كما أن الحياة في المدن لم تكن أفضل بكثير.
وقبل المكننة، كانت فرص العمل نادرة، وكان الأطفال يُنظر إليهم على أنهم عبء. وبالعودة إلى فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر، فإن ما يصل إلى 8,000 طفل من أصل 30,000 وُلدوا في باريس عام 1780 قد تخلّت عنهم أمهاتهم، وقد توفي كثير منهم.
وبفضل الثورة الصناعية والتجارة العالمية، تسارع النمو الاقتصادي في الغرب إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيًا. وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ارتفعت الدخول الحقيقية في الغرب بنحو خمسة عشر ضعفًا. وقد انفتح فارق هائل بين الغرب وبقية العالم، كما يوثّق أستاذ جامعة برينستون أنغوس ديتون في كتابه «الهروب العظيم». غير أن تلك الفجوة بدأت اليوم في الانغلاق.
كان بعض الخبراء يعتقدون أن خفض الفقر يعتمد على التحويلات المالية من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة. غير أن مئات مليارات الدولارات من المساعدات الخارجية حققت نتائج محدودة إن صعود العالم غير الغربي كان نتيجة نمو اقتصادي حفّزه التخلي عن التخطيط المركزي واندماج العديد من الدول غير الغربية في الاقتصاد العالمي. فعلى سبيل المثال، ارتفع متوسط الدخل الفردي في الصين، بعد احتسابه وفقًا للتضخم، بنحو ثلاثة عشر ضعفًا منذ بدء الإصلاحات الاقتصادية عام 1978. وعلى إثر تحرير الاقتصاد في الهند، ارتفع الدخل الحقيقي بمقدار ثلاثة أضعاف.
أخيرا بونو يعترف
وكما يلاحظ ديتون: «إن النمو السريع في متوسط الدخول، ولا سيما في الصين والهند، وخصوصًا بعد عام 1975، أسهم بقوة في خفض الفقر المدقع عالميًا. ففي الصين على وجه الخصوص—وكذلك في الهند—فإن خروج مئات الملايين من فقرٍ تقليدي متجذّر يُعدّ عملية تحرر من الفقر على الإطلاق».
ولا يمكن المبالغة في أهمية النمو. فلا يوجد مثالٌ واحد لبلد خرج من فقرٍ واسع النطاق من دون نمو اقتصادي مستدام. وكما كتب أستاذ جامعة أكسفورد بول كوليير في كتابه المليار الأفقر: ««النمو ليس علاجًا لكل شيء، لكن غيابه قاتل لكل شيء».
وحتى أولئك الذين كانوا تقليديًا متشككين في الأسواق الحرة باتوا يعترفون بشكل متزايد بأن المبادرة الخاصة هي مفتاح الازدهار. فالموسيقي الإيرلندي بونو قال في خطابٍ له بجامعة جورجتاون عام 2013: «المساعدات مجرد حلّ مؤقت. التجارة والرأسمالية الريادية تُخرج من الفقر عددًا من الناس يفوق ما تفعله المساعدات. … وفي مواجهة الفقر هنا وحول العالم، فإن الرعاية الاجتماعية والمساعدات الخارجية ليست سوى ضماد، أما المبادرة الحرة فهي العلاج… وريادة الأعمال هي الطريق الأضمن للتنمية».
ومع ذلك، ما تزال الجهالة بحقيقة أوضاع العالم واسعة الانتشار. ففي عام 2013، سأل الأستاذ هانس روسلينغ من معهد كارولينسكا في السويد عيّنةً ممثّلة من المواطنين الأميركيين عمّا إذا كان الفقر المدقع قد ارتفع أم انخفض خلال العشرين عامًا السابقة. فأجاب 66% منهم بأنه تضاعف تقريبًا، بينما ظنّ 29% أنه بقي على حاله تقريبًا.
لعلّ الأرقام الجديدة للفقر تُصحّح بعض هذه التصوّرات الخاطئة. ولكن، وبينما نفرح بمعرفة أن العالم لم يكن يومًا أكثر تحرّرًا من الفقر المدقع مما هو عليه اليوم، يجدر بنا أيضًا أن نعترف بالدور الحاسم للصناعة والتجارة في تحقيق هذا الازدهار.
ماريان إل. توبي، زميل أقدم في معهد كاتو
https://www.cato.org/commentary/global-povertys-defeat-capitalisms-triumph
