• مارس 28, 2026

كوتو ميستو: تجربة مجتمع بلا سلطة مركزية

يُعدّ الاعتقاد الراسخ في التقليد السياسي الغربي—منذ توماس هوبز وصولًا إلى الفكر التدخلي المعاصر—أن المجتمع السياسي المستقر يحتاج إلى سلطة مركزية قوية قادرة على فرض القواعد والحفاظ على النظام. وبدون هذه السلطة، يُفترض غالبًا أن المجتمع سينحدر إلى الفوضى. غير أنّ التاريخ يقدّم أمثلة لافتة تتحدى هذا الافتراض.

ومن أبرز هذه الأمثلة نجد كوتو ميستو، وهي منطقة صغيرة تقع على الحدود بين البرتغال واسبانيا، وتتكوّن من قرى سانتياغو دي روبياس، وروبياس، ومياؤس. وعلى مدى ما يقرب من سبعة قرون، وُجد هذا الإقليم دون سيادة دائمة أو سلطة دولة مركزية. ورغم ذلك، نجح في تطوير نظام اجتماعي واقتصادي مستقر قائم على الحكم الذاتي الطوعي، والأعراف المحلية، والتجارة الحرة الواسعة.

ترجع أصول كوتو ميستو إلى غموض حدودي طويل الأمد بين البرتغال وإسبانيا، لم يُحسم بشكل كامل من قبل أي من المملكتين. وقد خلق هذا الغموض فراغًا سياسيًا تميّز بسلطة محدودة وموزعة. وبدلًا من الانزلاق إلى الفوضى، نظّم السكان أنفسهم من خلال الأعراف المحلية والاتفاقات المتبادلة، مشكّلين ما يمكن وصفه بـ«النظام التلقائي» —وهو مفهوم نظّر له لاحقًا فريديريك هايك. فالمؤسسات هنا لم تُصمَّم من قبل سلطة مركزية، بل نشأت تدريجيًا استجابةً للحاجات العملية.كان نظام الحكم في كوتو ميستو لامركزيًا وتشاركيًا. إذ كان المجتمع ينتخب سنويًا قاضيًا فخريًا، يُعرف باسم «الألكايدي»، من بين رؤساء الأسر المعروفين بـهومنز بونز وكان هذا القاضي يعمل بدعم من مجلس صغير يمثّل كل قرية، وكانت القرارات تُتخذ جماعيًا في جمعيات مفتوحة لرؤساء الأسر. وقد شكّل هذا النظام نموذجًا من الديمقراطية المباشرة، حيث تستند السلطة إلى الرضا لا إلى الإكراه.

ومن السمات المؤسسية اللافتة نظام حفظ الوثائق الرسمية. فقد كانت السجلات المهمة والأختام والامتيازات تُخزّن في صندوق خشبي مؤمّن بثلاثة أقفال، يحتفظ كل ممثل بمفتاح واحد منها، مما يضمن ألا يتمكن أي فرد—حتى القاضي—من الوصول إلى محتوياته بمفرده. وقد شكّل هذا النظام البسيط آلية فعالة للحد من السلطة، مانعًا إساءة استخدامها دون الحاجة إلى مؤسسات دولة رسمية. ومن اللافت أيضًا أن كوتو ميستو لم يكن لديه جيش دائم أو قوة شرطة أو نظام ضرائب مركزي. بل كان النظام الاجتماعي يُحفظ من خلال الأعراف المشتركة، والسمعة، والتعاون. ولم يؤدِّ غياب الإكراه إلى عدم الاستقرار، بل استمر هذا النظام سلميًا لقرون.

اقتصاديًا، شكّل الإقليم نموذجًا فريدًا للتجارة الحرة داخل أوروبا التي كانت خاضعة في معظمها للسياسات المركنتيلية. فقد تمتع السكان بامتيازات تتوافق إلى حد كبير مع المبادئ الليبرالية الكلاسيكية؛ إذ أُعفوا من الخدمة العسكرية والضرائب، وكان لهم الحق في حمل السلاح، وممارسة التجارة عبر الحدود دون رسوم جمركية. كما تمتع الإقليم بحق اللجوء، مما منع السلطات الخارجية من دخوله لملاحقة الفارين، باستثناء الجرائم الخطيرة مثل القتل.

وفي قلب هذا النظام الاقتصادي كان «الطريق المميّز» (Caminho Privilegiado)، وهو طريق محمي يبلغ طوله نحو ست كيلومترات، لم تكن السلطات الإسبانية أو البرتغالية قادرة على تفتيش البضائع أو الأشخاص فيه. وقد شكّل هذا الممر منطقة محايدة عُلّقت فيها سلطة الدولة فعليًا. ولم يعتمد وجوده على القوة المحلية، بل على اعتراف ضمني من القوى المجاورة التي رأت أن احترام هذا الترتيب أكثر فائدة من إثارة النزاع.

وقد أتاح هذا المناخ ازدهار التجارة. فما كانت الدول المجاورة تصفه بالتهريب كان في كوتو ميستو مجرد تبادل طوعي. وبفضل التحرر من الضرائب والاحتكارات والتنظيمات الثقيلة، حقق الاقتصاد المحلي مستوى من الازدهار النسبي نادر في المناطق الريفية المماثلة. كما ساهم إنتاج وبيع سلع مثل التبغ—الذي كان خاضعًا لقيود أو احتكارات في أماكن أخرى—في توليد دخل مهم وتحسين مستويات المعيشة.

ورغم نجاحه الطويل، انتهى استقلال كوتو ميستو عام 1868، عقب تنفيذ معاهدة لشبونة لعام 1864، التي قسمت الإقليم بين البرتغال وإسبانيا وألغت امتيازاته. وقد بدا نظامه اللامركزي غير متوافق مع منطق الدولة القومية الحديثة، التي تتسم بالمركزية والسيطرة المالية وتوحيد السلطة الإقليمية. ولا تعني تجربة كوتو ميستو أن الدول الحديثة غير ضرورية، لكنها تشكك في الافتراض القائل إن السلطة المركزية هي الطريق الوحيد لتحقيق النظام والازدهار. فهي تُظهر أن نظمًا اجتماعية مستقرة وتعاونية يمكن أن تنشأ—في ظروف معينة—دون حكم قسري، اعتمادًا على المؤسسات الطوعية، والمعرفة المحلية، والمصلحة المتبادلة.

كلوديا أسنساؤ نونيس, كاتبة ومحللة سياسية، ورئيسة تحالف سيدات الحرية في البرتغال.

https://fee.org/articles/the-couto-mixto

Read Previous

قوانين الحد الأدنى للأجور: نعمة أم نقمة؟

Read Next

الأبوية القسرية: طريقٌ إلى تآكل الحرية