• أغسطس 30, 2025

هل تُغذّي انتقادات الديمقراطية استبداد الطغاة؟

أحيانًا يستخدم المستبدون وغيرهم من أصحاب النوايا السيئة الانتقادات المعقولة للديمقراطية كذريعة لتبرير أفعالهم السيئة. فهل يجب أن نصمت إذًا؟

 

لقد سلطت أحداث السنوات الأخيرة الضوء مجددًا على تفشي الجهل السياسي لدى الناخبين، والانحياز الحزبي الأعمى، وفساد الساسة، وغيرها من أوجه القصور في النظام الديمقراطي. لكن هناك من يخشى أن يؤدي تصاعد الانتقادات الموجهة للديمقراطية وكشف عيوبها إلى تزويد المستبدين بذخيرة من الذرائع يستخدمونها لتبرير استبدادهم وسلوكهم القمعي؟

حجة خطرة باسم “عدم خدمة الطغاة

يرى الفيلسوف السياسي جيسون برينان أن مطالبة المثقفين أو النقاد بالتزام الصمت كي لا يُساء استخدام آرائهم من قبل أنظمة مستبدة هو نوع من العقوبة الجماعية. ويضيف برينان إلى أنه: “من غير المعقول القول إنك مُلزَم بعدم الكتابة أو الكلام فقط لأن بعض الناس قد يسيئون استخدام ما تقوله أو تكتبه. وإلا، فإننا نمنح الآخرين حق الاعتراض المسبق على حريتنا في التعبير لأنهم يسيئون التصرف”.

إن الادعاء بأن علينا تجنّب طرح حجج قد تُستغَل من قبل حركات سياسية شريرة له تبعات خطيرة. فخلال الحرب الباردة، على سبيل المثال، استخدمت الدعاية السوفيتية على نطاق واسع الانتقادات الداخلية الأمريكية لنظام الفصل العنصري (جيم كرو) كدعاية لترويج الشيوعية. فهل يعني ذلك أن حركة الحقوق المدنية في أمريكا كانت مُلزَمة بالصمت حول هذه القضية حتى لا تساعد عن غير قصد حكام دولة شمولية قمعية؟ بالتأكيد لا.

الديمقراطية أيضًا أداة بيد الطغاة

بالإضافة إلى ذلك، كما يؤكد برينان، فإن الأنظمة القمعية والحركات السياسية التي تدعمها تستخدم أيضًا الخطابات المؤيدة للديمقراطية بشكل واسع. فالأنظمة الاستبدادية لا تستخدم فقط انتقادات الديمقراطية، بل تتلاعب أيضًا بمفاهيمها وشعاراتها: “في جميع أنحاء العالم، وعلى مدار أكثر من مئة عام، قامت الديكتاتوريات، والفاشيون، والدول الشمولية الشيوعية، والأوليغارشيات، والساعون إلى الريع، وغيرهم، بإساءة استخدام نظريات الديمقراطية لتبرير انتهاكاتهم. يُنظّمون انتخابات صورية. يسمّون دولهم بـ‘الجمهورية الديمقراطية الشعبية’ لهذا أو ذاك. يزعمون أنهم يُجسّدون الديمقراطية الحقيقية. ويقتبسون بسخاء من نظريات الديمقراطية لتبرير سلوكهم المعادي لها.

 إن الحجج المؤيدة للديمقراطية قابلة للاستغلال من قبل الأنظمة والحركات الشريرة بقدر ما هو الحال مع الانتقادات. وليس من قبيل المصادفة أن تُطلق كوريا الشمالية، وهي على الأرجح أكثر الحكومات قمعاً في العالم، على نفسها اسم ‘الجمهورية الديمقراطية الشعبية لكوريا’.” بالتالي، إذا كان يُخشى من إساءة استخدام انتقادات الديمقراطية، فإن هذا الخوف يجب أن يشمل أيضًا الدفاعات عنها، لأن كلاهما يمكن أن يُستخدم لخدمة الغايات الاستبدادية“.

الصمت لا يحمي الديمقراطية بل يُضعفها

في السنوات الأخيرة، يمثّل صعود الشعبوية القومية اليمينية التهديد الأكبر الجديد للقيم الليبرالية الديمقراطية في العديد من الدول الغربية، والتي تستغل بالضبط نوع الجهل السياسي الذي حذّر منه باحثون مثل جيسون برينان. وإذا أردنا حماية أنفسنا من الحركات السلطوية وغير الليبرالية، سواء من اليمين أو من اليسار، فإن آخر ما ينبغي علينا فعله هو التزام الصمت بشأن عيوب الديمقراطية. فهذه العيوب نفسها — بما في ذلك، ولكن ليس حصراً، الجهل السياسي — هي ما يُمكّن هذه الحركات في كثير من الأحيان من الازدهار.

 ليست كل مشاكل الديمقراطية بسبب الديمقراطية

للأسف، بعضٌ من أسوأ عيوب الديمقراطية ليست مرتبطة بانتخابات معينة أو بمرشح معين، بل هي متجذّرة بعمق في البنية الأساسية للعملية الديمقراطية نفسها. فعلى سبيل المثال، فإن الجهل الواسع النطاق لدى الناخبين والتحيّز في التفكير حول القضايا السياسية ليسا علامات على غباء شعبي، بل هما في الغالب ردود أفعال عقلانية على الحجم المتضخم للدولة الحديثة ونطاق سلطتها، وعلى ضآلة تأثير صوت الفرد الواحد على نتائج الانتخابات. وإذا أردنا تقليل المخاطر المرتبطة بهذا الجهل، فقد نحتاج إلى الحدّ من سلطة الدولة الحديثة وتحقيق لا مركزية حقيقية في سلطاتها.

عند تقييم عيوب الديمقراطية، من المهم أن نتذكّر أن الحكومات الديمقراطية، بشكل عام– برغم عيوبها –، لا تزال تؤدّي أداءً أفضل من الديكتاتوريات. فعلى سبيل المثال، تُسجَّل في الأنظمة الديكتاتورية معدلات أعلى بكثير من جرائم القتل الجماعي وانتهاكات حقوق الإنسان مقارنةً بالأنظمة الديمقراطية. في أعمالي المتعلقة بالجهل السياسي، أُشدّد على هذه النقطة وأشرح لماذا حتى الكتلة الانتخابية الجاهلة غالبًا ما تكون أقل خطورة من الحاكم المستبد. لكن حقيقة أن الديمقراطية تتفوق على الديكتاتورية لا يجب أن تدفعنا إلى تجاهل العيوب الخطيرة الكامنة في الديمقراطية نفسها، فهي لم تبلغ الكمال.

نحو ديمقراطية أكثر أمانًا وحدودًا للسلطة

فبينما تظلّ الديمقراطية غير المقيّدة نسبيًا أفضل من الاستبداد، إلا أن ديمقراطية تتسم بقدر أكبر من اللامركزية وقيود دستورية صارمة على سلطة الحكومة قد تؤدي أداءً أفضل من الاثنين معًا. إن الحجم الهائل، والنطاق الواسع، والتعقيد المتزايد للدولة الحديثة يشكل تركيزًا للسلطة أكبر من أن يُؤتمَن لأي حكومة، سواء كانت ديمقراطية أو سلطوية. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا التعقيد يجعل من المستحيل على تتبع أو مساءلة معظم أعمال الحكومة بشكل فعّال. لذا، فإن الحل لا يكمن في ترك الديمقراطية تواجه مصيرها دون مساءلة، بل في السعي نحو نظام ديمقراطي أكثر تقييدًا للسلطة، وأكثر لامركزية في اتخاذ القرار.

إن الصمت، بدعوى الخوف من دعم الطغاة، لا يخدم إلا الطغيان ذاته. أما النقد الصادق، فهو الخطوة الأولى نحو إصلاح ما فشل فيه الآخرون واستغلاله لصالحهم. على الأقل، لا ينبغي لنا أن نتجاهل هذه الإمكانية خوفًا من تزويد المستبدين بذخيرة دعائية. فإن تجاهلها لا يؤدي إلا إلى جعل معالجة تلك العيوب في الديمقراطية — التي يُحتمل أن يستغلها المستبدون بشكل خاص — أكثر صعوبة.

 

إيليا سومين أستاذ القانون في جامعة جورج ميسون.

لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.

https://fee.org/articles/does-criticism-of-democracy-play-into-the-hands-of-authoritarians/

Read Previous

مشكلة المعرفة: لماذا يفشل التخطيط المركزي دائمًا؟

Read Next

كيف نعيد إحياء المجتمع المدني؟