• مارس 28, 2026

الأبوية القسرية: طريقٌ إلى تآكل الحرية

» نحن أكثر سمنة، وأكثر مديونية، وأقل ادخارًا ». بهذا الافتراض تنطلق سارة كونلي في كتابها» ضد الاستقلالية» لتدافع عن فكرة مفادها أنه إذا كنا نهتم حقًا بالأفراد، فعلينا أن نؤيد سياسات حكومية أبوية قسرية تساعدهم على تحقيق أهدافهم الخاصة. وترى أن الاعتراضات القائمة على الاستقلالية ضعيفة، لأن عملية اتخاذ القرار لدى الإنسان معيبة بطبيعتها. واستنادًا إلى الاقتصاد السلوكي وعلم النفس، تؤكد أن الأفراد يميلون بصورة منهجية إلى اتخاذ قرارات سيئة. وعلى خلاف كاس سنستين وريتشارد ثالر اللذين يدعوان إلى «التوجيه السلوكي اللطيف» (Nudges) الذي يحافظ على حرية الاختيار، ترى كونلي أن الأبوية القسرية وحدها فعّالة حقًا.

ورغم تناولها لبعض الاعتراضات، فإن أطروحتها تعاني من ثلاث نقاط ضعف رئيسية. أولها إغفالها لحقوق الأفراد. إذ تساوي كونلي بين احترام الأشخاص والاهتمام برفاههم، معتبرة أن تقييد الخيارات الضارة يمكن أن يكون تعبيرًا عن احترام الحياة الإنسانية. غير أن هذا الطرح يغفل تمييزًا جوهريًا: فإجبار الأفراد على التصرف «لمصلحتهم الخاصة» يتجاهل إرادتهم الحرة. إن احترام الإنسان يقتضي السماح له باتخاذ قراراته بنفسه—even إن كانت سيئة—ما دام لا يضر بالآخرين. فالإكراه، حتى وإن كان بدوافع حسنة، يقوّض هذا الاحترام. فإجبار شخص على الإقلاع عن التدخين، مثلًا، ليس مساعدة محترِمة بل فرض قسري. وكذلك فإن الحكومة التي تفرض سلوكًا تحت تهديد العقاب تفشل في احترام استقلال الفرد.

وترتبط بهذه النقطة إساءة توصيف كونلي لطبيعة الإكراه. فهي ترى أن القوانين التي تزيل قيودًا غير عادلة—كالقوانين التي تحظر علاقات طوعية—تُعدّ نوعًا من الإكراه لأنها تُلزم بعض الناس بسلوك يتعارض مع قيمهم. غير أن إزالة القوانين التي تقيد الأفعال الطوعية السلمية لا تُجبر أحدًا على التصرف، بل تعيد إليه حريته. فحماية الحقوق تختلف جوهريًا عن فرض السلوك. والنظام القانوني الذي يزيل القيود الجائرة يعزز الحرية بدلًا من تقويضها.

أما الخلل الثاني فيكمن في تقليلها من شأن حجة «الانزلاق التدريجي». فمع أن هذه الحجة قد تُبالغ أحيانًا، فإنها ليست دائمًا مغالطة. ففي الواقع السياسي، كثيرًا ما تتوسع التدخلات الحكومية إلى ما يتجاوز نطاقها الأصلي. وتُظهر «الحرب على المخدرات» مثالًا واضحًا على ذلك، حيث بدأت السياسات باستهداف كبار المهرّبين، ثم امتدت تدريجيًا إلى المستخدمين البسطاء، مما أسهم في ارتفاع معدلات السجن وتعزيز الممارسات الأمنية القمعية. ويرى المنتقدون أن القوانين الأبوية قد تسير في المسار ذاته، فتؤدي تدريجيًا إلى تآكل الحرية الفردية دون تحقيق فوائد متناسبة.

وتردّ كونلي بأن حجة الانزلاق، إن كانت صحيحة، فستقوّض جميع القوانين، بما في ذلك القوانين الجنائية الضرورية. غير أن هذا الاستنتاج لا يلزم. فالقوانين التي تحمي الأفراد من الأذى—مثل القوانين التي تجرّم العنف أو السرقة—لها هدف واضح ومحدود. أما الإشكال فينشأ عندما تمتد القوانين إلى توجيه سلوك الأفراد «لمصلحتهم الخاصة»، إذ تصبح حينئذ أكثر عرضة للتوسع بسبب طبيعتها المفتوحة.

كما تدّعي كونلي أن حظر المخدرات كان مدفوعًا بدوافع أخلاقية أو كمالية، لا أبوية، وبالتالي لا يصلح مثالًا عامًا. غير أن المنطق الأبوي كان حاضرًا بوضوح في مثل هذه السياسات. وحتى لو لم يكن كذلك، فلا يوجد ما يضمن أن الحظر القائم على الأبوية الخالصة سيتجنب النتائج غير المقصودة ذاتها. فبمجرد أن تمنح الدولة نفسها سلطة التحكم في الخيارات الشخصية، يميل نطاق تدخلها إلى الاتساع.

أما الخلل الثالث فيتمثل في نظرتها المتفائلة المفرطة لعملية صنع السياسات. إذ تفترض كونلي أن المشرعين يتصرفون كفاعلين عقلانيين ومحايدين يوازنون بعناية بين التكاليف والمنافع. غير أن رؤى نظرية الاختيار العام، المرتبطة بالاقتصادي جيمس بوكانان، تشير إلى خلاف ذلك. فصنّاع القرار السياسي غالبًا ما يسعون وراء مصالحهم الخاصة—سواء كانت انتخابية أو أيديولوجية أو اقتصادية—مما يؤدي إلى تشريعات معقدة تتشكل تحت تأثير حوافز متضاربة. وغالبًا ما تكون النتيجة سياسات غير فعّالة، متضخمة، وضعيفة المراجعة.

وتوضح الأمثلة التاريخية كيف يمكن أن تتطور القوانين بصورة غير متوقعة. فقد تتحول لوائح وُضعت لأهداف محدودة إلى أنظمة واسعة ومرهقة، وقد تُجرّم أفعالًا بسيطة أو غير مقصودة. وبالمثل، فإن محاولات الحد من سلوكيات ضارة—مثل التدخين—قد تؤدي إلى ظهور أسواق سوداء وصعوبات في التنفيذ. وهكذا قد تفضي السياسات المصممة لحماية الأفراد إلى تكاليف اجتماعية غير مقصودة، مثل زيادة التجريم وتراجع الثقة في المؤسسات.

وأخيرًا، تتجاهل كونلي دور الحلول الطوعية. فكثير من الأفراد يسعون إلى تحسين سلوكهم بوسائل غير قسرية، مثل الالتزام الذاتي، أو الدعم المجتمعي، أو الترتيبات الخاصة. كما توفر الأسواق حوافز للسلوك الأكثر أمانًا؛ فشركات التأمين، مثلًا، يمكنها تشجيع تقليل المخاطر من خلال آليات التسعير. وهذه الأساليب تحترم الاستقلالية الفردية مع تعزيز النتائج الإيجابية.

وفي الختام، تثير الأبوية القسرية إشكالات عميقة. فهي تنتهك حقوق الأفراد، وتقلل من شأن مخاطر توسع السياسات، وتعتمد على تصور غير واقعي لعملية صنع القرار السياسي. فضلًا عن ذلك، فإنها تتجاهل فعالية البدائل الطوعية غير القسرية. إن المجتمع الذي يقدّر الرفاه والحرية معًا ينبغي أن يتوخى الحذر في منح الدولة سلطة تجاوز اختيارات الأفراد. فاحترام الإنسان الحقيقي يقتضي الثقة في قدرته على اتخاذ قراراته بنفسه—وتحمّل نتائجها—بدلًا من إجباره «لمصلحته الخاصة».

نيرا ك. بادهـوار, أستاذة فخرية في الفلسفة بجامعة أوكلاهوما.

https://www.libertarianism.org/publications/essays/against-paternalism

Read Previous

كوتو ميستو: تجربة مجتمع بلا سلطة مركزية