على امتداد العقد الماضي وما قبله، ومع كل ما أُنجز في قضايا المرأة وحقوقها وتقدّمها، غالبًا ما ينصرف النقاش إلى القوانين والإصلاحات السياسية. وليس في ذلك إنكار لأهميتها، لكن الناس كثيرًا ما يغفلون قوة أخرى أقل بريقًا، لكنها شديدة الفاعلية، أسهمت «بهدوء» في إعادة تشكيل حياة النساء نحو الأفضل: الرأسمالية والمجتمع الحر.
في مقالٍ سابق، بيّنتُ كيف أسهم صنع الغسالة، وابتكار حبوب منع الحمل، وصعود اقتصاد الخدمات في تمكين النساء من تحسين حياتهنّ. وهنا أواصل بالروح نفسها، متناولًا اختراعاتٍ أخرى لا نربطها تلقائيًا بتحرير المرأة، لكنها لعبت دورًا حاسمًا في ذلك.
لفهم قصة الدراجة الهوائية، لا بدّ من العودة إلى أواخر القرن التاسع عشر وهو زمن لم تكن فيه حركة الناس مقيّدة بالقوانين بقدر ما كانت مقيّدة بالتكنولوجيا والثروة، أو بالأحرى بنقصهما. كان السفر يتطلّب حصانًا، والحصان لم يكن رخيصًا ولا سهل الصيانة. أمّا النساء، فكانت العوائق أمامهنّ أكبر: أعراف اجتماعية واعتبارات سلامة كانت تفرض في بعض الثقافات وجود مرافق، ما يجعل أيّ رحلة أكثر تعقيدًا وكلفة.
غيّرت الدراجة هذه المعادلة. وبحسب وصف إحدى رائدات الدفاع عن حقوق المرأة في ذلك العصر، سوزان بي. أنثوني، فقد «حرّرت هذه الآلة البسيطة النساء أكثر من أيّ شيء آخر في العالم». لم تكتفِ الدراجة بتحويل وسائل النقل؛ بل أعادت—بهدوء—صياغة الموضة والثقافة والتوقعات الاجتماعية. فركوبها استلزم ملابس أكثر راحة من الأزياء المقيِّدة التي اعتادت النساء ارتداءها يوميًا. وسرعان ما شوهدت النساء وهنّ يجدّفن عبر المدينة بملابس عمليّة—وهو ما عُدّ حينها «فضيحة»—فأثار ذلك قلق الأصوات المحافظة.
ومن المفارقة أنّ أشدّ الاعتراضات لم تنصبّ على ركوب النساء للدراجات بحدّ ذاته، بل على ما وُصف بـ«عدم الاحتشام» المصاحب له—وهو توصيفٌ كان في الحقيقة اختصارًا لملابس عمليّة كسرت أعراف العصر الفيكتوري.
وحتى اليوم، تستغرق الأعمال المنزلية وقتًا. فكيف كان الحال من دون أجهزةٍ منزلية؟ ساعات طويلة من العمل المنزلي المتكرر: لا فترات راحة، ولا اختصارات.. تلك كانت حياة كل امرأة عبر التاريخ—حتى وقتٍ قريب. ما الذي كان يمثّل «اللاحرية» التاريخية الكبرى للنساء؟ إنه الوقت، أو بالأحرى غيابه. وهنا تدخّل السوق. لقد تحدّثتُ عن الغسالة، لكن الثلاجة بدورها كانت اختراعًا تحريريًا لا يُستهان به. فعندما نفكّر في الثلاجات الموجودة في منازلنا اليوم، نادرًا ما نفكّر في الرحلات اليومية التي كانت ستصبح ضرورية من دونها. كما أننا لا نضع أنفسنا في موضع أولئك الأشخاص—وغالبًا ما كنّ نساء—اللواتي كنّ يذهبن إلى السوق المحلي لشراء الطعام بشكل يومي.
وعلى الرغم من أنّ اختراع التبريد الميكانيكي على يد كارل فون لينده عام 1873 استُخدم أولًا في الإنتاج الصناعي للبيرة، فقد استغرق الأمر أكثر من سبعة عقود قبل أن تصبح الثلاجات عنصرًا أساسيًا في المنازل. وفي خمسينيات القرن العشرين، ابتهجت النساء حين غدت الثلاجة جهازًا منزليًا شائعًا. فما بدأ كتكنولوجيا متخصصة ومكلفة جرى تحسينه تدريجيًا، وتوسيعه، وجعله ميسور التكلفة للاستخدام اليومي.
وعلى الرغم من أن اختراع الرادار، المموّل حكوميًا، أسهم في تطوير الميكروويف، فإن اكتشاف أن التعرّض لطاقة الموجات الدقيقة يذيب ألواح الشوكولاتة كان محض صدفة. ولعل فرن الميكروويف، بالشكل الذي نستخدمه حتى اليوم، لم يكن ليُخترع أصلًا لولا سماح النظام لِشركة «رايثيون» بتسجيل براءة اختراعه. أما غسالة الصحون، فقصتها تجسّد المثل القائل إنّ «الحاجة أمّ الاختراع»، وهذا ما ينطبق على جوزفين غاريس كوكرين. فقد كانت غاضبة من أن خدمها كثيرًا ما يكسرون صحونها، فابتكرت عام 1885 حلًا تمثّل في غسالة الصحون. وكما جرت العادة، فإننا ندين لها بالفضل لا بدافع إحسانها، بل بدافع اهتمامها بمصلحتها الذاتية. ومرة أخرى، كانت الأسواق والرأسمالية هما من قدّما الحل—ليس للمطاعم فحسب، بل للنساء في المجتمع بأسره.
ولهذا أقول إنّ التكنولوجيا والأسواق لم تساعد النساء فحسب، بل حرّرتهن أيضًا. حرية لم تُمنَح عبر أوامر الدولة أو تشريعاتها، بل وفّرتها شركات خاصة تتنافس من أجل الربح. وأيّ نوع من الحرية أعنيه هنا حين يتعلق الأمر بالأجهزة المنزلية؟ إنها حرية الوقت.
لا تحتاج الأسواق إلى إعلان رسالةٍ اجتماعية لتعيد تشكيل المجتمع. يكفيها أن تعثر على حلولٍ لمشكلات قائمة وأن تكافئها. الدراجة، والثلاجة، وغسالة الصحون فعلت ذلك تمامًا. ابتكاراتٌ غير أيديولوجية في جوهرها، لكنها قدّمت للنساء ما افتقدنه تاريخيًا: الوقت، والأمان، والسيطرة على تفاصيل الحياة اليومية. وبجعل الحياة أسهل، وسّعت هذه الابتكارات دائرة الحرية.
وهكذا، فإنّ المحرِّر الأكبر للمرأة لم يكن بيانًا أيديولوجيًا، بل التقدّم التكنولوجي الصامت الذي أتاحه المجتمع الحر—تحريرٌ تراكميّ يفوق في أثره أيّ مانيفستو.
بقلم سيمون ساريفسكي باحثٌ مساعد في مركز الاقتصاد النمساوي.
لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.
