على الرغم من أنّ فريدريش هايك وفاتسلاف هافل نادرًا ما يُدرسان معًا، فإن لديهما هاجس جوهري مشترك تجاه الأنظمة الشمولية: تآكل المسؤولية الفردية واستبدالها بالقوة القسرية للدولة. كلٌّ منهما تناول هذه الإشكالية من تقليدٍ فكري مختلف؛ فقد شدّد هايك على المسؤولية بوصفها مبدأً تطوريًا واقتصاديًا متجذّرًا في النظم الاجتماعية العفوية، بينما ركّز هافل على المسؤولية باعتبارها التزامًا وجوديًا وأخلاقيًا منبثقًا من الضمير والحقيقة. ورغم هذا الاختلاف، انتهى الاثنان إلى خلاصة واحدة: لا يمكن للحرية أن تصمد من دون منظومة قيمية تقوم على المسؤولية الفردية.
هايك: الحرية بوصفها عبئًا أخلاقيًا
تشكّل المسار الفكري لهايك في أوروبا ما بين الحربين العالميتين. فقد وُلد في فيينا عام 1899 وتتلمذ على يد لودفيغ فون ميزس، وشهد صعود كلٍّ من الاشتراكية والفاشية كتيارات فكرية مهيمنة. ورفض هايك أطروحة أنّ الفاشية جاءت ردًّا على الاشتراكية، معتبرًا إياها نتيجة منطقية للنزعات الجماعية والعقلانية ذاتها. وبعد فراره من النمسا عقب صعود هتلر، تمكن من بلورة هذا النقد من المنفى، ولا سيما في كتابيه الطريق إلى العبودية ثم لاحقًا دستور الحرية.
في كتاب دستور الحرية، يقدّم هايك تحليلًا معمّقًا للعلاقة العضوية بين الحرية والمسؤولية، مؤكدًا أنّهما غير قابلتين للفصل. فالحرية تفترض الاختيار، والاختيار يستلزم بالضرورة تحمّل نتائج القرار. وحذّر هايك من أنّ مثقفي العصر الحديث باتوا يرفضون هذا العبء، متأثرين بتفسيراتٍ حتمية للعلوم الطبيعية تنكر الاختيارية الإنسانية الحقيقية. وحين تُسقَط هذه الحتمية على الحياة الاجتماعية، فإنها تقوّض المساءلة الأخلاقية وتغذّي الوهم بإمكانية إدارة المجتمع علميًا بواسطة الخبراء. وبالنسبة لهايك، فإن هذا «العلمويّة» أو النزوع العلمي الزائف، يبرّر توسّع البيروقراطية والتخطيط المركزي، ما يؤدي في النهاية إلى تقويض الحرية والحيوية الاقتصادية معًا.
ويرى هايك أنّ النظام الاجتماعي لا ينبثق من تصميمٍ واعٍ، بل من ممارساتٍ ومؤسساتٍ متطوّرة—كالأسواق والأعراف والمجتمع المدني—تستثمر المعرفة الموزّعة بين الناس. وعندما تُنقَل المسؤولية من الأفراد إلى الدولة، تتعطّل هذه الآليات. يصبح الناس متلقّين سلبيين بدل كونهم فاعلين نشطين، وتفشل الدولة—لعجزها عن امتلاك المعلومات الكافية والمرونة اللازمة. ومع ذلك، يعترف هايك بأن الحرية مُكلفة وعبء ثقيل؛ فالمسؤولية تنطوي على عدم اليقين والمخاطرة واحتمال الفشل الشخصي. ومن ثمّ يصبح الإغراء بالتخلّي عن الحرية مقابل الأمان أحد أخطر التهديدات التي تواجه المجتمع الحر.
هافل: المسؤولية كفعل وجودي
لم تكن مواجهة هافل للشمولية نظرية، بل معيشة. وُلد في براغ عام 1936، ونشأ تحت الاحتلال النازي ثم عاش لاحقًا أربعة عقود تحت الحكم الشيوعي. وعلى خلاف هايك، لم يكن بمقدور هافل الفرار. وقد جاءت مقالته الشهيرة قوة المستضعفين (1978) في هذا السياق، ولم تهدف إلى تحليل السلطة فحسب، بل إلى إيقاظ مقاومةٍ أخلاقية. وصف هافل تشيكوسلوفاكيا بأنها نظام «ما بعد شمولي» يعتمد أقلّ على العنف الصريح وأكثر على أيديولوجيا شاملة تُفرِض ذاتها من الداخل.
بالنسبة لهافل، كانت الأيديولوجيا الأداة الأساسية التي يتمّ من خلالها تفريغ المسؤولية من مضمونها؛ إذ تقدّم إجاباتٍ جاهزة وأعذارًا أخلاقية وشعورًا زائفًا بالانتماء، بما يسمح للأفراد بتبرير تواطؤهم مع القمع. ومن خلال «العيش داخل الكذبة»، يُداخِل المواطنون توقّعات النظام ويُعيدون إنتاج سلطته عبر الامتثال اليومي. وهكذا تُزاح المسؤولية من الضمير الفردي إلى «مهمة» جماعية مجرّدة.
وكان ردّ هافل هو النداء إلى «العيش في الحقيقة». لم يكن ذلك موقفًا رومانسيًا أو بطوليًا، بل خيارًا بالغ الكلفة. فالعيش في الحقيقة يعني رفض راحة الأيديولوجيا، وقبول عدم اليقين، وتحمّل المسؤولية الشخصية عن الأفعال— حتى تحت تهديد القمع. ورأى هافل أنّ المعارضة ليست خيارًا مهنيًا، بل ضرورة وجودية يفرضها الضمير والظرف. ومع تَكاثُر أفعال المسؤولية الفردية داخل المجتمع المدني، يمكن فضح هشاشة السلطة الشمولية وتعرّي ضعفها البنيوي.
نقطة الالتقاء: ضدّ العقلانية المتغطرسة
على الرغم من اختلاف نقاط تركيزهما، اشترك هايك وهافل في الخشية من العقلانية المفرطة—أي الاعتقاد بأن العقل البشري قادر على الإحاطة الكاملة بالواقع الاجتماعي وإعادة تصميمه. انتقد هايك تقليد «العقلانية الفرنسية» بنزعاته البنائية التجريدية، بينما رأى هافل في الطوباوية الحديثة قناعًا للهيمنة. ورفض الاثنان فكرة الخلاص لذي يمكن هندسته من الأعلى. وبدلًا من ذلك، علّقا آمالهما على المجتمع المدني، والنظام العفوي، والأفراد المتحلّين بالمسؤولية الأخلاقية.
وفي النهاية، وصل هايك وهافل إلى النتيجة نفسها عبر طريقين مختلفين. رأى هايك المسؤولية آليةً تطورية تُبقي التعاون الاجتماعي قائمًا من دون إكراه، بينما فهمها هافل التزامًا وجوديًا لا يمكن لأي أيديولوجيا أن تحلّ محلّه. ويقدّم عملهما معًا تحذيرًا بالغ الأهمية: حين تُسلَّم المسؤولية—سواء لمخطّطين «علميين» أو لأنظمةٍ أيديولوجية—تذبل الحرية، وتتوسّع الدولة لملء الفراغ. فالحرية، كما يذكّرنا الاثنان، ليست ترتيبًا سياسيًا فحسب، بل ممارسةً أخلاقية ينبغي أن يحملها الأفراد على عاتقهم باستمرار.
بقلم بول ميني كاتب ومحرّر في التاريخ الفكري، ومحرّر الشأن الفكري في Libertarianism.org، وهو مشروع تابع لمعهد كاتو.
لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.
https://www.libertarianism.org/articles/no-liberty-without-responsibility-hayek-and-havel
