• يناير 30, 2026

ما قيمة الديمقراطية؟

ما نوع القيمة التي تتمتّع بها الديمقراطية؟ وهل ينبغي أن نُقيّمها كما نُقيّم المطرقة، أو اللوحة الفنية، أو الإنسان؟

حين نسأل لماذا تُعدّ المطرقة قيّمة، يكون الجواب عادةً عمليًا بحتًا. فالمطرقة وُجدت لأداء وظيفة محدّدة: دقّ المسامير. لذا فقيمتها أداتية؛ أي إنها قيمة نابعة من كونها تساعدنا على تحقيق هدف قائم خارج الأداة نفسها. أمّا اللوحات الفنية فتُقوَّم على نحوٍ مختلف تمامًا. فقيمتها نادرًا ما تنبع من منفعة عملية، بل مما تُعبّر عنه من مشاعر، ومعانٍ، ورموز، أو رؤى جمالية. ويلعب السياق دورًا حاسمًا هنا؛ فمَن أنجز اللوحة وكيف أُنتجت غالبًا ما يحددان قيمتها. فقد يكون رسمٌ بسيط لفنان مشهور بالغ القيمة، في حين يكون رسمٌ مطابق له تمامًا، إذا أنجزه شخص مجهول، عديم القيمة. في هذه الحالة، لا تنبع القيمة من الوظيفة، بل من الدلالة والاعتراف الاجتماعي.

يُنظر إلى البشر، عادةً، على أنهم يمتلكون شكلًا أقوى من القيمة. صحيح أنّ الناس قد يكونون نافعين—فالعمّال يُنتجون، والأطباء يُداوون، والمعلّمون يُعلّمون—لكنهم يُعدّون أيضًا غايات في ذواتهم. ويصف الفلاسفة ذلك بـ القيمة الذاتية أو الكرامة. وعلى خلاف الأدوات، لا يُستبدَل الناس ولا يُقايَضون؛ وهم جديرون بالاحترام بغضّ النظر عن منفعتهم.

ويُفضي هذا التمييز إلى سؤالٍ سياسي جوهري: كيف ينبغي أن نُقيّم الديمقراطية؟

يتّفق معظم فلاسفة السياسة على أنّ للديمقراطية قيمةً أداتية. فهي—مقارنةً بغيرها من الأنظمة—تميل إلى الأداء الجيّد. وغالبًا ما ترتبط الديمقراطيات بمستويات أعلى من الحرية، وبمستويات معيشة أفضل، وبمؤسسات أكثر استقرارًا. وبهذا المعنى، تشبه الديمقراطية أداة موثوقة — نافعة لأنها تنتج في الغالب نتائج مقبولة.

وتدعم الأدلة التجريبية هذا الرأي. فالديمقراطيات الليبرالية تتفوّق عادةً على الأنظمة السلطوية، والملَكيات، والأوليغارشيات، ودول الحزب الواحد، في مؤشرات عديدة للعدالة والازدهار. غير أنّ الاكتفاء بهذه القيمة الأداتية يقود إلى نتيجة مُقلِقة: لو اكتُشف نظامٌ آخر يُنتج نتائج أكثر عدلًا وفق معايير أخلاقية مستقلة، فسيكون علينا—من حيث المبدأ—استبدال الديمقراطية به.

كثيرون يرفضون هذا الاستنتاج. فهم يرون أنّ الديمقراطية لا تُثمَّن بما تُنتجه فحسب، بل بما تُجسّده من معنى. فالديمقراطية—في نظرهم—تُعبّر عن المساواة الأخلاقية بين المواطنين. وتكتسب القرارات السياسية شرعيتها لأنها تُتَّخذ من قِبل الشعب نفسه عبر إجراءات شاملة وتشاركية. ووفق هذا المنظور، لا تكون الديمقراطية مجرد وسيلة لتحقيق غاية، بل غاية في حد ذاتها.

يُعرَف هذا الموقف بـالإجرائية. إذ يؤكّد الإجرائيون أنّ بعض إجراءات اتخاذ القرار عادلة بطبيعتها، وأنّ شرعية النتائج تستمدّ من الكيفية التي تمّ بها الوصول إليها. ويرى بعض الفلاسفة أن للديمقراطية قيمة أخلاقية جوهرية، في حين يذهب آخرون إلى أن الأنظمة غير الديمقراطية ظالمة بطبيعتها. لكن الإجرائية، إذا أُخذت إلى أقصاها، تصبح إشكالية على نحوٍ عميق. فالإجرائية الصِّرفة تزعم أنّه لا توجد معايير أخلاقية يمكن من خلالها الحكم على النتائج السياسية خارج الإجراء الذي أفرزها. وبحسب هذا التصور، فإن كل ما تقرره ديمقراطية تعمل بصورة سليمة يُعدّ، بحكم التعريف، عادلاً. وهذا يقود إلى نتائج عبثية؛ إذ يجعل القرارات الديمقراطية بمنأى عن النقد الأخلاقي، مهما بلغت من الظلم أو الضرر. ومع ذلك، يصعب إنكار وجود حدودٍ أخلاقية لما يجوز لأي نظام سياسي فعله، بغضّ النظر عن الإجراءات التي يعتمدها.

هنا يبرز نهجٌ بديل تُعرَف باسم الأداتية. يرى الأداتيون أنّ هناك حقائق أخلاقية موضوعية—على الأقل في بعض المسائل السياسية—وأنّ المؤسسات تُبرَّر بقدر ما تُفضي على نحوٍ موثوق إلى نتائج صحيحة أو عادلة. للإجراءات أهميتها، نعم، ولكن أهميتها تنبع من مدى جودة أدائها وفعاليتها.

يوفّر نظام العدالة الجنائية تشبيهًا مفيدًا. ففي المحاكمة، توجد حقيقة مستقلة عمّا إذا كان المتهم مذنبًا أم لا. هيئة المحلّفين لا تُنشئ هذه الحقيقة، بل تسعى لاكتشافها. وتُدافَع محاكمات هيئة المحلّفين لأنها تُعدّ نسبيًا موثوقة. ولو ظهر أسلوبٌ أفضل، لضعفت المبرّرات الأخلاقية الإبقاء عليها.

وعند تطبيق هذا المنطق على الديمقراطية، نصل إلى نتيجةٍ مثيرة للجدل: ينبغي الدفاع عن الديمقراطية فقط بقدر ما تتفوّق على البدائل الأخرى. وفي كتاب ضد الديمقراطية، أجادل بأنّ الديمقراطية تُفهم على أفضل وجه بوصفها أداةً سياسية—مطرقةً لا لوحةً فنية ولا إنسانًا. هي لا تتمتع بمكانة أخلاقية جوهرية، وكل قيمة تمتلكها هي قيمة أداتية خالصة.

وإذا وُجدت أدوات أفضل—أو أمكن تطويرها—فإنّ لدينا واجبًا أخلاقيًا في النظر فيها. إنّ تقديس الديمقراطية يعرّضنا لخلط الرمزية بالعدالة. والالتزام بازدهار الإنسان يقتضي أن تظلّ حتى الديمقراطية نفسها مفتوحة للنقد والمقارنة والتحسين.

بقلم جيسون برينان، أستاذ كرسي عائلة فلاناغان في Georgetown University، ويكتب بانتظام في مدوّنة Bleeding Heart Libertarians.

لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.

https://fee.org/articles/what-is-democracy-worth

Read Previous

تحرر المرأة: الابتكار قبل الأيديولوجيا

Read Next

الحكومات لا تستطيع مراكمة رأس المال!