• يناير 1, 2026

البديل البرتقالي

بعد سنوات من الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية، أعقبتها حياة قاسية تحت حكم ستالين ومن جاء بعده من القادة السوفييت، كان الشعب البولندي قد عانى بما فيه الكفاية. وبحلول ثمانينيات القرن الماضي، بلغت حركة المقاومة ذروتها. ويحتفي التاريخ، عن حق، بحركة “تضامن”، وبالإضرابات، وبالمفاوضات الدولية. غير أنّ “البديل البرتقالي” يستحق بدوره وقفة جادّة، إلا إذا بدا لبعض المؤرخين كطفل مهرّج يسعى إلى لفت الانتباه فحسب، فيُفضَّل تجاهله. والحقيقة أنّ هذه الحركة لم تكن مجرد تظاهرة معزولة في أحد أركان الشوارع. ففي يونيو/حزيران 1988، خرج عشرة آلاف بولندي إلى الشوارع مرتدين أزياء الأقزام (كراسْنولودِك بالبولندية) وقبعات برتقالية. سخروا من الشرطة الشيوعية، وأطلقوا النكات، ورسموا أقزامًا برتقالية فوق الشعارات السياسية المنتشرة في المدينة.

نشأ “البديل البرتقالي” بوصفه حركة طلابية جامعية قادها فالدِمار فيدريخ. وقد ضاق ذرعًا هؤلاء الطلاب بحكم الشيوعية، وسئموا شحّ أبسط المستلزمات كمناديل المرحاض والفوط الصحية، فراحوا ينظمون “أحداثًا” ذات رسائل تهكمية تهدف إلى تقويض الخوف من الشرطة الشيوعية. وفي الثالث عشر من ديسمبر/كانون الأول 1988، نشروا دعوة تقول: “ساعدوا الميليشيا… اضربوا أنفسكم!” وكان من أشهر شعاراتهم في الاحتجاجات المناهضة للشيوعية: “لا حرية بلا أقزام!”

كان مفكرو منتصف القرن، مثل فيكتور فرانكل وألكسندر سولجنيتسين، قد شجّعوا ضحايا الأنظمة الشمولية على المقاومة عبر مواجهة المعاناة واستخلاصالمعنى من قوة الروح الإنسانية المتسامية. لكن فيدريخ ذهب في اتجاه مختلف؛ ففي “بيان السريالية الاشتراكية” زعم بأن الاتحاد السوفييتي ينبغي النظر إليه بوصفه عملًا سرياليًا— لا شيئًا يُفترَض فهمه أو البحث عن منطقه. فهو قدر من العبث لا يستحق سوى الضحك. وكان يقول ساخرًا: «العالم كله عمل فني. حتى الشرطي الواقف في الشارع هو قطعة من الفن. فلنمرح، فمصيرنا ليس صليبًا نحمله». 

ولم يتخلَّ فيدريخ عن سخريته حتى عند اعتقاله بتهمة التخريب. كان السجناء الآخرون يضحكون، فيما كان الحراس يعجزون عن التعامل مع رجل يرفض ببساطة أن يبدو خائفًا. ومنحه ذلك تفوقًا نفسيًا حتى وهو رهن الاعتقال، وبدأ يُقوّض ثقة السلطات بنفسها. ويرى فيدريخ أنّ العقلانية والواقعية تخلقان الاكتئاب والخوف. ولماذا نكون عقلانيين إذا كان بوسعنا الاستمتاع؟ فالحياة، في نظره، ليست وادي دموع، بل مهزلة. وبدل مواجهة المخططين المركزيين مباشرة، قرر إرباكهم، قائلًا: “لقد أعددنا حِيَلًا بالغة المكر لمعارفكم المنظمة جيدًا.”

في عام 1986، وبمناسبة ذكرى ثورة أكتوبر، نظّم «البديل البرتقالي» تظاهرات غير قانونية ودعا الجميع إلى ارتداء اللون الأحمر سخريةً من الشيوعيين — حتى لو اقتصر الأحمر على طلاء الأظافر أو معجون الطماطم. واستمرت هذه الفعاليات بشكل متواصل حتى عام 1988. وعندما كانت الشرطة تصل إلى المكان، كان المتظاهرون ينفجرون ضحكًا وهم يسمعون الضباط يأمرون بعضهم بعضًا بـ«اعتقال الحمر!».

وفي مذكّراته “حياة الرجال البرتقاليين”، يكشف فيدريخ أنّ هذه اللامبالاة كانت تُدعَم بتعاطي الماريغوانا. وقد يرى الأمريكيون وأوروبا الغربية أوجه شبه مع حركات الطلبة في عام 1968 التي سخرت من الأعراف الثقافية والسلطة—غير أنّ هؤلاء الطلاب كانوا يحتجون على الشيوعية بدل التعاطف معها. كما كتب فيدريخ بسخرية مقصودة ولا مبالاة لاذعة—أقرب إلى أسلوب فونّغت، ولكن من دون نبرة التشاؤم القاتم.

وفي الوقت نفسه، حمل “البديل البرتقالي” آثارًا من تقليد مسيحي شرقي عُرف بـ“الأحمق المقدّس”، المستند إلى تعليم القديس بولس بأنّ الله يقلب الأعراف رأسًا على عقب ويعمل بطرائق يعدّها الحكماء حماقة. فالمجتمع يحتاج إلى من يقول الحقيقة للسلطة، وأحيانًا يأتي ذلك في هيئة مهرّج يسخر من الملك. والقدرة على السخرية من المُضطهِد تتطلب حرية داخلية، وهي الخطوة الأولى نحو الحرية الخارجية.

وفي مقدمة الطبعة البولندية الأولى من كتاب “الرجال البرتقاليون”، كتبت آن آبلباوم من صحيفة واشنطن بوست: “لقد أضرّ هؤلاء الشباب بالنظام، على الأرجح، بسخريتهم منه أكثر مما كانت ستفعله عشرة أعوام من أعمال الشغب. لقد أثبتوا أنّ الإمبراطور عارٍ، وأنّ النظام مفلس فكريًا… ولم تمضِ سوى سنتين حتى انهارت الشيوعية تمامًا.”

لقد أدرك «البديل البرتقالي» أن الحجج الفلسفية والنظريات الاقتصادية لا تكون دائمًا مقنعة إلى الحد الكافي — وأحيانًا تكون أفضل وسيلة لإحباط العدو هي السخرية منه. فالفن، سواء تجلّى في فن الشارع أو في المسرح، يأسر الخيال، ويحرّر الروح، ويبني روح التضامن. وقد كشفت ثورتهم أن النظام الشيوعي «بلا ملابس»، وبعثت الحيوية في جيل جديد من مناضلي الحرية. وهكذا، وبصيحةٍ مرِحة، أطلقوا الأقزام ليذهبوا ويسخروا من الشيوعيين.

بقلم هانا لانغدون، منسّقة تعليمية في مؤسسة التعليم الاقتصادي (FEE)

لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.

https://fee.org/articles/the-orange-alternative

Read Previous

المحرّك الوحيد للنمو الحقيقي: تراكم رأس المال لا الاستهلاك

Read Next

كيف يمكن للعالم العربي أن يلحق بالركب اقتصادياً؟