• أبريل 28, 2026

المؤسسات قبل الثروة: درس أمريكا اللاتينية!

لا يمكن تفسير استمرار التخلّف الاقتصادي في أمريكا اللاتينية بالعوامل الخارجية أو بالإرث الاستعماري وحدهما. فمع أنّ لهذه العوامل دورًا لا يُنكر، إلا أنّه أصبح من الواضح بصورة متزايدة أنّ العقبات الأساسية تكمن في هشاشة مؤسسات المنطقة، ووقوعها تحت هيمنة مصالح ضيقة للنخب، ما يفسر اختلالاتها الوظيفية. ومن أجل كسر حلقة النمو الضعيف وعدم المساواة، يتعيّن على دول المنطقة إصلاح أطرها السياسية والقانونية والاقتصادية.

تُظهر أدبيات الاقتصاد المؤسسي أنّ النمو طويل الأمد يعتمد على وجود مؤسسات دامجة أو شاملة؛ أي مؤسسات تضمن حقوق الملكية، وتفرض سيادة القانون، وتقيّد السلطة التعسفية. في المقابل، تؤدي المؤسسات الاستخراجية إلى تركيز السلطة وتعزيز السلوك الريعي. فالدول التي تقوم على مؤسسات شاملة تميل إلى تشجيع المشاركة الواسعة في النشاط الاقتصادي دون قيود، وتخلق حوافز للاستثمار والابتكار ورفع الإنتاجية. وعلى النقيض من ذلك، تُصمَّم المؤسسات الاستخراجية لتركّز الثروة والسلطة في أيدي نخبة ضيقة، بحيث تُستخرج الموارد من غالبية المجتمع لصالحها، مما يعرقل النمو الاقتصادي الواسع القاعدة. ويُعدّ هذا التمييز بين المؤسسات الشاملة والاستخراجية عنصرًا محوريًا لفهم سبب ازدهار بعض الدول وتخلّف أخرى.

في أجزاء واسعة من أمريكا اللاتينية، لا تزال الأطر المؤسسية الاستخراجية هي السائدة. وتُمثّل فنزويلا مثالًا مأساويًا على ذلك، حيث أدّى بناء نظام سلطوي إلى تحويل الدولة نفسها إلى بنية استخراجية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك تأميم شركة النفط الوطنية (PDVSA) عام 2006، وهو القرار الذي دمّر استقلالها التقني وحوّلها إلى أداة سياسية. وقد أدّت الأزمة المؤسسية الناتجة إلى انهيار الإنتاج؛ فمنذ عام 2008 شهد إنتاج النفط — وهو الأصل الاقتصادي الأهم في البلاد — تراجعًا حادًا. كما أنّ العزلة الدولية التي أعقبت التزوير الانتخابي عام 2024 زادت من تراجع القدرة الاقتصادية، ودَفعت البلاد نحو نظام يقوم على المحاباة السياسية، حيث لا يزدهر إلا الموالون للنظام.

في كولومبيا، تتجلّى الهشاشة المؤسسية في استمرار وجود هياكل موازية للدولة. فإرث حركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) وغيرها من الجماعات غير القانونية يعني أن الجريمة المنظمة ما تزال تمارس سيطرة فعلية على مناطق بأكملها. ويجسّد «عشيرة الخليج» هذا النوع من السيطرة الإقليمية. وبدلًا من مواجهة هذه الظاهرة بحزم، أعطت الحكومة الأولوية لسياسات شعبوية سياسية، مثل إصلاح نظام التقاعد لعام 2024 والزيادات المفاجئة في الحد الأدنى للأجور في عام 2025. وعلى الرغم من تقديم هذه الإجراءات بوصفها سياسات اجتماعية، فإنها تُضعف الاستدامة المالية وتعزز هشاشة المؤسسات، مما يقلص قدرة الدولة على الحكم بفعالية.

وتقدّم البرازيل صورة أكثر تعقيدًا. فعلى الرغم من امتلاكها مؤسسات رسمية عاملة وصحافة حرة، فإنها تعاني من الإفراط في تسييس القضاء. وقد لعبت السلطة القضائية دورًا أساسيًا في حماية الديمقراطية من التهديدات الأخيرة، غير أنّها شهدت في الوقت ذاته توسّعًا مستمرًا في صلاحياتها. واليوم تُعدّ المنظومة القضائية في البرازيل من بين الأكثر كلفة مقارنةً بحجم الموازنة العامة. ويعكس ذلك اختناقًا هيكليًا، حيث قد يتحول الدفاع عن الديمقراطية إلى ذريعة لتراكم الامتيازات وخلق حالة من عدم اليقين التنظيمي التي تثني الاستثمار وتحد من الحيوية الاقتصادية.

أما الأرجنتين فتعيش مرحلة انتقالية غير مكتملة. فبعد عقود من الشعبوية الاقتصادية والتضخم المزمن، تحاول البلاد مواجهة البنى الاستخراجية عبر تبنّي الانضباط المالي وترشيد دور الدولة. غير أنّ عقبات كبيرة لا تزال قائمة، أبرزها النفوذ غير المتناسب للنقابات العمالية. فكثيرًا ما تعمل هذه النقابات عبر الإغلاق القسري والضغط، تتحول أحيانًا إلى هياكل ابتزاز تعرقل الاستثمار والنشاط الاقتصادي. ولذلك فإن تجاوز هذا النموذج يُعد شرطًا أساسيًا لنجاح عملية إعادة بناء الاقتصاد الأرجنتيني.

تلتقي هذه الأمثلة جميعًا عند خلاصة واحدة: إنّ أمريكا اللاتينية تعاني من فائض في المؤسسات الاستخراجية. فالدول التي تقع تحت سيطرة الشركات أو النخب السياسية أو الجماعات المسلحة تعجز عن توفير الأمن القانوني الضروري للتنمية. وعندما تكون الأطر القانونية ضعيفة، وحقوق الملكية غير مضمونة، والسلطة السياسية مركّزة في أيدي قلة، يفقد الأفراد والشركات الحوافز للاستثمار والابتكار على نطاق واسع. وبدون مؤسسات شاملة، تبقى الموارد مركّزة في أيدي قلة، ويتعثر النمو الاقتصادي الشامل، وتتعمق الفوارق الاجتماعية. وتتمثل النتيجة في الاعتماد المفرط على السلع الأولية والتعرض الشديد للصدمات الاقتصادية. فالعديد من دول المنطقة لا تزال تعتمد اعتمادًا كبيرًا على تصدير المواد الخام، ما يجعل اقتصاداتها حساسة لتقلبات الأسعار العالمية. ومن دون مؤسسات أقوى تعمل على تنويع النشاط الاقتصادي وحماية حقوق الملكية، ستظل هذه الهشاشات البنيوية قائمة. وقد أظهرت الأدلة التجريبية أن جودة المؤسسات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بارتفاع معدلات النمو وتعزيز سيادة القانون، في حين يرتبط ضعفها بأداء اقتصادي بطيء.

إن تجاوز هذه التحديات يتطلب أكثر من إصلاحات جزئية متفرقة؛ بل يستلزم التزامًا إقليميًا راسخًا بسيادة القانون، والمساءلة، والحكم التعددي، ووضع حدود واضحة للسلطة. وتُظهر التجارب الدولية أن البلدان التي تنجح في كسر دائرة التخلف تفعل ذلك عبر ترسيخ مؤسسات شاملة تُنسّق الحوافز السياسية والاقتصادية مع المشاركة الواسعة، بدلًا من الاستخراج لصالح نخبة ضيقة. وبالنسبة لأمريكا اللاتينية، فإن الدرس واضح وملحّ: النمو الاقتصادي لا يسبق المؤسسات، بل يعتمد عليها. فبدون أمن قانوني، وحوكمة شفافة، وآليات تمنع تركّز السلطة، سيظلّ تحقيق تنمية حقيقية أمرًا بعيد المنال. فالمؤسسات الشاملة توفّر الاستقرار والحوافز اللازمة للاستثمار، في حين تحبس المؤسسات الاستخراجية المجتمعات في دوّامات من الركود وعدم المساواة.

بقلم بيدرو أورسو كاتبُ عمودٍ في برنامج «المواهب الشابة من أجل الحرية» التابع لمعهد ميلينيوم، ويعمل حاليًا في الدائرة المدنية التاسعة والثلاثين بمحكمة العدل في ولاية ساو باولو.

https://fee.org/articles/latin-americas-lag

Read Previous

الدولة التنظيمية: ابتزاز مؤسسي يمهّد لظهور «الشيوعية الجديدة «

Read Next

نهاية احتكار الحكومات للنقود؟