• أبريل 28, 2026

الدولة التنظيمية: ابتزاز مؤسسي يمهّد لظهور «الشيوعية الجديدة «

في المشهد الغربي المعاصر شهدت طبيعة التنظيم تحوّلًا بنيويًا عميقًا ومقلقًا. فما كان يُنظر إليه في السابق بوصفه حكمًا محايدًا يهدف إلى حماية السلامة العامة وضمان المنافسة العادلة، أخذ يتحول تدريجيًا إلى نظام ذي طابع استخراجي شبه مؤسسي. ويعكس هذا التحول انتقالًا من مفهوم الحوكمة إلى نمط من السلوك الريعي، حيث يُجبر القطاع المنتج على دعم جهاز إداري ضخم ومتنامٍ. وفي ظل هذا النظام لم يعد البقاء الاقتصادي يعتمد فقط على خدمة المستهلكين أو الابتكار، بل بات مرتبطًا بتدفق مستمر من مدفوعات الامتثال والخضوع الإجرائي لطبقة بيروقراطية متنامية. وتمثل هذه الظاهرة شكلًا من «الجماعية الزاحفة»، حيث تبقى الملكية الخاصة قائمة من الناحية الشكلية، بينما يُمارس التحكم الفعلي عبر الدولة الإدارية.

لقد كان الهدف التاريخي للتنظيم هو تعزيز الثقة ومعالجة حالات فشل السوق الحقيقية. غير أن الدولة التنظيمية الحديثة قلبت هذا المنطق رأسًا على عقب، إذ أوجدت نظامًا يكافئ الإتقان الإجرائي أكثر مما يكافئ الإسهام الإنتاجي الحقيقي. ففي هذا السياق تصبح القدرة على التنقل داخل الأطر الإدارية المعقدة أكثر قيمة من القدرة على ابتكار تقنيات جديدة أو تحسين العمليات الصناعية. وقد أدى ذلك إلى نشوء ««نظام بيئي تنظيمي» واسع يضم شركات الاستشارات المتخصصة في الامتثال، ومؤسسات التدقيق، وهيئات منح الشهادات. وتزدهر هذه الصناعة شبه الحكومية ليس عندما يزدهر الاقتصاد الحقيقي، بل عندما يزداد تعقيده وتقييده. وقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها نشاط تدقيق الشركات أو منحها الشهادات أكثر استقرارًا وربحية في كثير من الأحيان من ممارسة النشاط الاقتصادي نفسه.

وتحمل هذه الظاهرة مفارقة تاريخية لافتة. فالضوابط البيروقراطية الكثيفة التي فرضتها الإدارات الاستعمارية قديمًا على الأقاليم البعيدة—بهدف تنظيم النشاط المحلي واستخراج القيمة الاقتصادية—قد جرى استبطانها فعليًا داخل الاقتصادات الغربية نفسها. فالتصاريح والتراخيص والتفتيشات والموافقات الإجرائية التي كانت سمة من سمات الحكم الاستعماري أصبحت اليوم الأدوات الأساسية لإدارة النشاط الاقتصادي الداخلي. وعندما تقوم القوى الاستعمارية السابقة بتنظيم حياة مواطنيها بالأساليب نفسها التي استخدمتها مع رعاياها، فإنها تؤكد ملاحظة المؤرخ الروماني تاسيتوس: «كلما كثرت القوانين، ازداد فساد الدولة». فكل قاعدة جديدة تخلق طلبًا متزايدًا على الأدلة الإرشادية والمعايير التقنية، مما يوسع العبء الإداري ويخلق شكلًا من الضرائب غير المباشرة التي تغذي بيروقراطية ذاتية التكاثر.

ويولد هذا النظام حوافز مشوهة تغيّر ديناميكيات السوق جذريًا. فالشركات الكبرى الراسخة غالبًا ما تتكيف مع هذا المناخ بسهولة، مستفيدة من مواردها القانونية وقدراتها على الضغط السياسي لتشكيل القواعد التنظيمية بما يخدم مصالحها. وبهذا المعنى يصبح التنظيم حاجزًا قويًا أمام الدخول إلى السوق، يحمي الشركات القائمة من ظاهرة «التدمير الخلّاق» الذي قد يفرضه منافسون جدد. وعلى النقيض من ذلك، تشكّل التعقيدات التنظيمية بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وروّاد الأعمال المستقلين عقبة قد تكون قاتلة. وهكذا تسهم الدولة الإدارية بشكل غير مقصود — رغم حديثها بلغة المصلحة العامة —في ترسيخ شكل من النزعة التعاونية الاحتكارية (الكوربوراتية) التي تخنق الشركات الناشئة التي يُفترض بها أن تقود النمو الاقتصادي.

ويتجلى هذا الاتجاه بوضوح في صعود ما يُسمّى اليوم نماذج التنظيم الحديثة القائمة على «القيم»، ولا سيما ضوابط البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة .(Environmental, Social, and Governance, ESG) فعلى الرغم من تقديم هذه المبادرات باعتبارها وسائل لتحقيق الاستدامة والشمول، فإنها كثيرًا ما تتحول إلى أداء رمزي شكلي. إذ تُجبر الشركات على تخصيص موارد ضخمة لإعداد تقارير معيارية والحصول على عمليات تحقق من أطراف ثالثة، مع التركيز على الامتثال الشكلي بدل النتائج القابلة للقياس. وبدل أن تُوجَّه الموارد إلى البحث التكنولوجي أو خلق فرص العمل، تُحوَّل إلى توثيق المسؤولية وإنتاج التقارير. وهكذا يعطي النظام الأولوية للإشارة المرئية على حساب الإنجاز الحقيقي، فيكافئ الشركة الأكثر براعة في إعداد التقارير لا الأكثر قدرة على الإنجاز الحقيق.

إن العقلية التي تُغذّي هذا التوسع غالبًا ما تكون منفصلة عن واقع الإنتاج الاقتصادي. فكثير من مصممي هذه الأطر التنظيمية لم يديروا يومًا سلسلة توريد ولم يتحملوا مخاطر تجارية مباشرة؛ ولذلك ينظرون إلى النشاط الاقتصادي بوصفه مفهومًا مجردًا يمكن إدارته عبر أدوات الضبط الإداري. وهذا ما يؤكد أطروحة الاقتصادي جورج ستيغلر حول التنظيم الاقتصادي، التي ترى أن الهيئات التنظيمية تميل بطبيعتها إلى التوسع والحفاظ على ذاتها بهدف تعظيم ميزانياتها المؤسسية ونفوذها، بصرف النظر عن الفائدة الاجتماعية الفعلية.

وقد بدأت آثار هذا التوسع الإداري تظهر بوضوح في تراجع القدرة الصناعية في الغرب. فمع انتقال الإنتاج إلى مناطق ذات أعباء تنظيمية أخف، تتعرض القدرة التنافسية طويلة الأمد للاقتصادات الغربية للتآكل. وعندما تحل الأطر الإجرائية الجامدة محل الحكم العملي، وعندما تتقدم «قوائم التحقق» على النتائج الفعلية، فإن روح الإنتاج والإبداع تنطفئ تدريجيًا. ولكي يستعيد التنظيم شرعيته، ينبغي إعادة توجيهه بصورة صارمة نحو تحقيق منافع عامة واضحة وقابلة للقياس. فالأنظمة الاقتصادية لا تستطيع تنظيم نفسها نحو الازدهار. وإذا لم يتم كبح توسع الدولة الإدارية وتحرير القطاع المنتج من عبء الجماعية الإجرائية، فإن القدرة الإنتاجية التي يقوم عليها ازدهار الغرب ستستمر في التآكل.

بقلم الدكتور برايان بنفيلد أستاذ متقاعد في قسم الاقتصاد بجامعة ويتواترسراند في جنوب أفريقيا.

Read Previous

لماذا ما زلنا بحاجة إلى مفهوم الرأسمالية؟

Read Next

المؤسسات قبل الثروة: درس أمريكا اللاتينية!