• أبريل 30, 2026

الثروة ليست عدوة للبيئة

غالبًا ما يتم تحوير النقاشات البيئية بخطاباتٍ ترى في السوق والرأسمالية عدوَّين لا يمكن التوفيق بينهما وبين حماية البيئة. غير أنّ التاريخ الحديث يُظهِر عكس ذلك تمامًا: فالتنمية الاقتصادية، حين تقترن بالابتكار، قدّمت أكثر الحلول فاعليةً لأكبر التحديات البيئية.

ويُعَدّ تآكل طبقة الأوزون مثالًا دالًّا. ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، اكتشف العلماء أنّ مركّبات الكلوروفلوروكربون (CFCs)، المستخدمة في الثلاجات وعبوات الرذاذ، تُضعِف هذا الدرع الجوي الحيوي للحياة على الأرض. وأثار هذا الاكتشاف موجةً واسعة من القلق؛ إذ تنبّأ كثيرون بكارثة وشيكة، بل بانهيار الحضارة. وانعكس هذا الخوف إلى الثقافة الشعبية عبر أعمال سينمائية (The Sky’s on Fire) صوّرت سماءً مشتعلةً وبشريةً مهدَّدة بفعل تآكل طبقة الأوزون.

لكن الواقع سلك مسارًا مختلفًا. ففي غضون سنوات قليلة، أعاد السوق ابتكار نفسه: أُعيد تنظيم سلاسل الإنتاج، وتطوّرت تقنيات جديدة، وظهرت بدائل آمنة لمركّبات CFCs. وأسهم في ذلك تعاونٌ دولي نادر، تُوِّج ببروتوكول مونتريال الذي حدّد أهدافًا واضحة لاستبدال المواد الضارّة. وقد تكلّل الجهد بالنجاح؛ فخلال التسعينيات وبدايات الألفية، جرى التخلّي التدريجي عن إنتاج هذه المركّبات واستهلاكها. وبحلول عام 2009، كان نحو 98% من المواد الخاضعة للاتفاق قد أُزيلت من السوق العالمية. وتُشير التقييمات العلمية اليوم إلى أنّ طبقة الأوزون تتعافى وفق المسار المتوقّع، ومن المرجّح أن تعود إلى مستويات ما قبل عام 1980 خلال العقود المقبلة. فالخطر الذي كان يُنظر إليه يومًا ما على أنه غير قابل للعكس بات في طريقه إلى الزوال، بفضل قدرة السوق على التكيّف والتعاون الدولي.

اليوم، يتمثّل التحدّي في الاحترار العالمي. ومرةً أخرى، لن يكون الجمود أو الخطاب المعادي للرأسمالية هو ما يقدّم الحلول، بل قوة الابتكار الكامنة في السوق نفسها. فنحن نشهد بالفعل بروز بدائل تنافسية، مثل الإيثانول وأنواع الوقود الحيوي الأخرى، إلى جانب ثورة السيارات الكهربائية والهجينة. وقد استثمرت كبرى الشركات العالمية مليارات الدولارات في الطاقات المتجددة، والبطاريات طويلة العمر، وعمليات إنتاج أقل تلويثًا. وهذا في جوهره مسار طبيعي للتكيّف: إذ تحوّل الرأسمالية التحديات إلى فرص.

ولا يقتصر هذا السوق الأخضر على التخفيف من المخاطر البيئية فحسب، بل يفتح أيضًا المجال أمام البلدان النامية لتصبح قادة في الاقتصاد العالمي الجديد. فالبرازيل، مثلًا، من أكبر منتجي قصب السكر عالميًا، يمكنها تعزيز ريادتها في إنتاج الإيثانول بوصفه بديلًا نظيفًا وتنافسيًا للطاقة. وبوليفيا، بما تمتلكه من احتياطات هائلة من الليثيوم، تحوز موردًا استراتيجيًا أساسيًا لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية، ما يمنحها فرصة للتموضع لاعبًا محوريًا في التحوّل الطاقي العالمي. كما تبرز تشيلي والأرجنتين في هذا القطاع، فيما تستطيع دول أفريقية، غنية بالمعادن وبأشعة الشمس، الاستفادة من الطلب المتزايد على الألواح الكهروضوئية ومُدخلات التقنيات المستدامة.

بدل النظر إلى الأجندة البيئية باعتبارها عائقًا أمام النمو، ينبغي التعامل معها كفرصة استراتيجية من أجل التنمية. فحين تُدمَج الاستدامة في منطق السوق، فإنها لا تقيّد الإمكانات، بل توسّع آفاق ازدهار الدول. ومن خلال الابتكار والانفتاح الاقتصادي، تستطيع البلدان الفقيرة التكيّف مع تغيّر المناخ وتحقيق الازدهار، لتغدو مزوّدًا عالميًا للحلول المستدامة. وهكذا، لا يعني التصدي للاحتباس الحراري الركود؛ بل يمكن أن يكون محرّكًا لمرحلة جديدة من نموٍّ اقتصادي مسؤول بيئيًا.

ثمّة عامل اقتصادي أساسي نادر الذكر: ما يُعرَف بمنحنى كوزنتس. فهذا المفهوم، الذي يأخذ شكل حرف U معكوس، استُخدم في الأصل لشرح كيف ترتفع اللامساواة في الدخل في المراحل الأولى من التنمية ثم تنخفض مع ازدياد ثراء المجتمعات. وقد اقترح اقتصاديون إمكان تطبيقه على البيئة أيضًا. فالدول التي تمر بمرحلة التصنيع تزيد في البداية من التلوث لأنها تعطي الأولوية للوظائف والنمو، لكن مع ارتفاع الدخل، يبدأ المواطنون بالمطالبة بجودة حياة أفضل، وهواء نظيف، وطاقة متجددة، ومدن مستدامة. وعند مستويات أعلى من الازدهار، تصبح التكنولوجيا ورأس المال عاملين حاسمين في جعل الإنتاج الأنظف خيارًا مُفضّلًا.

وبعبارة أخرى، فإن أفضل وسيلة أمام البلدان الفقيرة للحد من التلوث ليست إبطاء التنمية، بل تحقيق مزيد من الثراء. فالنمو الاقتصادي يوفّر الأدوات اللازمة لتمويل البحث، وتطبيق الابتكارات النظيفة، وتلبية المطالب الاجتماعية المتزايدة للاستدامة. الازدهار وحماية البيئة ليسا هدفين متعارضين، بل مرحلتين متكاملتين في مسار تطوّري واحد.
وعليه، فإن مكافحة الاحترار العالمي لا تتطلّب كبح النمو، بل تسريعه على نحوٍ مستدام، بما يمكّن الدول الفقيرة والنامية من بلوغ مستويات ازدهار تتيح لها اعتماد التقنيات النظيفة.

بقلم بيدرو هنريك إنغلر أورسو، كاتبٌ برازيلي ضمن برنامج «المواهب الشابة من أجل الحرية» في معهد ميلينيوم.

لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.

https://fee.org/articles/wealth-is-green

Read Previous

تنظيم السلامة دون تجريم التجارة

Read Next

هزيمة الفقر العالمي هي انتصار لاقتصاد السوق