في القانون، تتعدّد الفلسفات التي تُشكّل فهمنا له وتفسيرنا لنطاقه. ومن دون الخوض في محاضرةٍ في فقه القانون، يمكن القول إن ثمّة اتجاهين عامّين: اتجاه يرى أنّ القانون موضوعيّ يُكتشَف ولا يُصنَع، ويُعرَف بأنصار القانون الطبيعي؛ واتجاه آخر يرى أنّ القانون هو ما تعلنه الدولة وتفرضه، ويُعرفون أنصاره بالوضعيين.
وترتبط مسألة العدالة ارتباطًا وثيقًا بماهية القانون وما ينبغي أن يكون عليه. وبعبارة بسيطة، تعني العدالة إعادة المتضرّر إلى الوضع الذي كان سيؤول إليه لو لم يقع عليه الضرر. فإذا سُرِقت ممتلكاتك، فالعدالة تقتضي إرجاعها إليك كي تعود إلى الحالة التي كنت ستنعم بها لو لم تقع السرقة. هذا التعريف الموجز لا يستنفد مفهوم العدالة، وهو أمر يتجاوز نطاق هذا المقال. غير أنّ الغاية هنا إبراز الصلة التي ينبغي أن تقوم تربط العدالة بالقانون. فالقانون ينشأ أصلًا لمعالجة النزاعات بين الناس؛ ولولا النزاع لما كانت ثمّة حاجة إلى القانون. ومن هنا تأتي إشكالية التنظيمات أو اللوائح من منظور القانون الطبيعي، لأنها تعمل على افتراض عدم وجود نزاع من الأصل.
فالتشريعات النموذجية للسلامة والصحة تسعى إلى تحديد سلوكياتٍ ووضع معايير—كما يفعل أي قانون—لأفراد لم يتسبّبوا بضررٍ للآخرين. ومثال ذلك لائحة تُلزِم بتحضير الطعام في حوضٍ معيّن وبأبعادٍ محدّدة للمطبخ من أجل البيع، فتُقنّن سلوك صاحب المتجر. وإذا خالف رائد أعمال هذا النصّ القانوني واختار طريقةً مختلفة لتحضير الطعام، مع استمرار رضى زبائنه، فقد يظلّ عرضةً للملاحقة إذا قرّرت الدولة ذلك. وهذا، في جوهره، ظلمٌ، ومع ذلك يُطالَب به كثير من المشاريع الصغيرة في الأحياء الشعبية.
ولا ينبغي إساءة فهم هذا الطرح على أنّه تبريرٌ لأفعال—مقصودة كانت أم ناتجة عن إهمال—لتجّار يُلحقون الأذى بزبائنهم عبر موادّ ضارّة. فهؤلاء يجب أن يُلاحَقوا قانونيًا دون تردّد، لأن أفعالهم تسببت في ضرر فعلي. أمّا ملاحقة صاحب عملٍ لم يؤذِ أحدًا، لمجرّد عدم امتثاله لإرشاداتٍ معيّنة، فهي إجحاف.
إن منع الجرائم على نحوٍ مطلق أمرٌ مستحيل. فجرائم مثل القتل أو السرقة تبرهن على هذه الاستحالة. وتجريم القتل ليس هدفه الأوّل ردع كلّ من قد يُقدم عليه؛ فمع أنّ العقوبات قد تردع بعضهم، فإن الغاية الأساسية هي إنفاذ العدالة للمجتمع وللضحية. وتتداخل عوامل عديدة—من الوضع الاقتصادي إلى البنية الأسرية—في تفسير معدّلات القتل المرتفعة. وعندما ترتفع هذه المعدّلات، لا يكون الحلّ سنّ مزيد من «قوانين القتل«.
وينطبق المنطق ذاته على التسبّب—عن إهمال—في وفاة شخص، سواء عبر التعرّض للسموم أو بغير ذلك. فمعاقبة من يُلحقون الضرر بزبائنهم ينبغي أن تكون أداة ردعٍ فعّالة. وبدل إغلاق الأعمال التي لا تستوفي معايير تنظيمية بعينها، ينبغي تركيز الجهد على ملاحقة من يُسبّبون الضرر فعلًا.
إن الانخراط في التجارة—أي إتمام صفقةٍ تجارية—نشاطٌ سلميّ بطبيعته. فإذا تمّ هذا النشاط من دون استيفاء بعض معايير الدولة، وكان الطرفان منخرطين فيه طوعًا، فهل يصحّ اعتباره غير قانوني؟
إن تجريم الأنشطة السلمية أمر غير عادل. فالجرائم ونظام العدالة الجنائية ينبغي أن يُخصَّصا لمن يُلحقون الأذى بالآخرين—كالتجّار الذين يعرّضون زبائنهم، عن إهمال أو عمد، لموادّ ضارّة. أمّا في غير ذلك، فإذا اختار المستهلكون التعامل مع متجرٍ ما طوعًا، فلا ينبغي أن يكون لتقييم الدولة لأساليب العمل وزن أكبر من اختيار المستهلك نفسه.
علينا أن نفهم أنّ القوانين يجب أن تُعالج الضرر الواقع على الآخرين وأن تُعيد الأمور إلى نصاب العدالة. وعند شراء طعامٍ من رائد أعمال قد لا يكون على درايةٍ ببعض القوانين، لا تقع جريمةٌ ما لم يحدث ضرر؛ ولا تجوز الملاحقة إلا إذا وقع الأذى.
وبعيدًا عن الآثار الاقتصادية السلبية للإفراط في اللوائح، فإن نقطة الانطلاق هي أنّ تنظيم السلوك السلمي بحدّ ذاته يُعدّ ظلمًا. وتطبيق القانون على من لم يُلحقوا ضررًا بالآخرين هو انتهاك للعدالة وتشويه لمفهومها.
وفي سعينا لحماية مجتمعاتنا من الأضرار—بما في ذلك تلك المنسوبة إلى متاجر صغيرة مملوكة لأجانب— يجب أن نكون حذرين من توسيع صلاحيات الدولة وارتكاب مظالم باسم السلامة.
بقلم زاخيلي متمبو، مسؤول سياسات في مؤسسة السوق الحرّة.
لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.
