تعيش الدول الحديثة اليوم في حالة من الانتشاء المالي، أسيرة أوهامها الخاصة. فقد أقنعت نفسها بأنّ الموازنات عصيّ سحر، وأنّ البيروقراطية ضربٌ من الذكاء، وأنّ الدَّين مجرد كلمة مخيفة بلا عواقب فعلية. الأمر لم يعد يتعلق بخيارات مالية سيئة، بل يدور حول دوّامة انحطاط حضاري تُغلَّف بالمصطلحات والتقارير الرسمية. فالإنفاق الحكومي القائم اليوم ليس سياسة بقدر ما هو عملية انتحار ذاتي تعمل وحدها على الطيار الآلي.
تحت الألفاظ الرنانة، الإنفاق الحكومي هو مجرد نهب
وحين ننزع القشرة اللفظية عن هذا الإنفاق، يتضح أنه ليس “استثمارًا” ولا “مكافحة للفقر” ولا “تحفيزًا للنمو.” إنه ببساطة عملية نقل قسرية للموارد ممن ينتجونها إلى من لا ينتجونها. يسميه السياسيون “عدالة اجتماعية” أو “تنمية” أو “دفاعًا وطنيًا”، لكن الحقيقة أنه نهب سياسي مُقنّن، مصادرة مغلّفة بحسن النيّة ومسنودة بالقانون. ومع كل مرة ينخدع فيها المجتمع بهذه الروايات، تتآكل المحرّكات الحقيقية للرخاء: العمل الجاد، والثقة، والملكية. فما يحدث ليس تعزيزًا للنمو، بل هدمٌ لأسسه.
خرافة المنفق العقلاني
ويعيش البيروقراطيون على أسطورة أخرى مفادها أنّهم وحدهم القادرون على تخصيص الموارد بكفاءة. تسمعهم يستعملون عبارات مثل “تنمية عادلة” و“استثمارات استراتيجية”، لكن الحقيقة أنهم لا يتحمّلون أي تبعات إذا أخطأوا. لا أحد منهم يضع جلده في اللعبة. فلا آلية سعر، ولا منافسة، ولا حوافز، ولا طريقة لمعرفة إن كان ما يفعلونه مجديًا. عندما تُنفق الحكومة، فهي لا تراهن على النتائج؛ إنها ترمي السهام في الظلام مستخدمةً رواتب الآخرين. والنتيجة؟ مشاريع عبثية بلا فائدة، وقطاعات ميّتة تبقيها الدولة على أجهزة الإنعاش. لو أن شركة خاصة تصرفت هكذا؟ حتما يكون مصيرها الإفلاس. لكن عندما تفعلها الدولة؟ يسمّون ذلك “نجاحاً سياسياً”.
نشأة الطفيليين
وفي كل مرة تُطلق فيها الحكومة برنامجاً جديداً، فهي لا تكتفي بإنفاق المال، بل تخلق مُدمنين. وليس المقصود هنا فقط الفئات المعتادة—مستفيدو الإعانات أو الشركات المدعومة—بل منظومات كاملة من الناس الذين أصبحت أرزاقهم تعتمد على شيكات الدولة. نحن نتحدث عن بيروقراطيين محترفين، مراكز تفكير، مقاولين عسكريين، “أكاديميين”، وغيرهم، جميعهم يتدافعون حول مائدة دافع الضرائب. وبمجرد أن يدخلوا، فهم لا يغادرون بصمت. هؤلاء ليسوا منتجين؛ إنهم محترفو امتصاص الموارد. ومع ازدياد قوتهم وتنظيمهم، يصبح خفض الإنفاق شبه مستحيل، ومن يجرؤ على المطالبة به يُتهم بالقسوة أو الرجعية أو “معاداة الديمقراطية.”
وهم التقدم
ولغير المتخصص، يبدو المشهد كله حركةً ونشاطًا: قصّ شرائط، مشاريع تُشيّد، أموال تُصرف. لكن الحقيقة أن الموارد المستخدمة في هذه الاستعراضات انتُزعت غالبًا من أنشطة أكثر إنتاجية. فالدولة لا تخلق الثروة، بل تحوّلها من مسار إلى آخر. فهي تأخذ الأموال التي كان يمكن أن تُستثمر في شركة ناشئة، أو مدخرات، أو توسيع مشروع صغير، وتضخها في مشاريع بلا حلقات تغذية راجعة، بلا عوائد، وبلا مستقبل. والرأسمال الحقيقي—الذي تبنى به الحضارات—ليس نقودًا فقط. إنه ما يحدث عندما يدخر الناس، يخططون، يخاطرون، ويبدعون. إنفاق الحكومة يعرقل هذه العملية بأكملها من خلال إدخال إشارات مصطنعة، وطلب وهمي، وحوافز تكافئ السياسة على الأداء. إنها تخريب اقتصادي بوجه مبتسم.
»طباعة «الفقر
وما إن يعجز دافعو الضرائب عن اللحاق بهذا الجنون، بدل أن تُخفِّض الدولة إنفاقها، تلجأ إلى أبغض الخيارات: طباعة النقود. والتضخم ليس صدفة ولا ظاهرة فنية غامضة. إنه سرقة صامتة، متدرجة، يمكن إنكارها بسهولة. الضرائب تأخذ المال بقوة القانون، لكن طباعة النقود تأخذ الثروة دون سؤال. فالدولة، كالمزوّر، تنفق دون أن تنتج، والنتيجة أن مدخرات الناس تتآكل، والمنضبطون يُعاقبون، والاستثمار يتحول إلى مقامرة، والتخطيط طويل الأمد يصبح مستبعدًا. والأسوأ أنه يدمّر الثقة في العملة، وفي المؤسسات، وفي المجتمع نفسه. وحين ترتفع الأسعار وتتراجع الأجور الحقيقية، تبدأ الطبقة الوسطى—دعامة الاستقرار—في التشقق والانهيار.
ثقافة التبعية
ثم يظهر أثر أخطر: أثر ثقافي. فحين تكافئ الدولة الاستهلاك قصير الأمد والاعتماد على الدعم، يتراجع التفكير في المستقبل. لماذا يدّخر الناس أو يخططون أو يتعلمون أو يغامرون بتأسيس مشروع أو أسرة إذا كان بالإمكان انتظار الإعانة التالية؟ مع مرور الوقت، يغيّر هذا كل شيء. المجتمعات التي تفقد الرؤية الطويلة المدى تبدأ في الانهيار. تضعف الأسر وتتراجع روح المبادرة. ينخفض معدل ريادة الأعمال. تنتقل الثقافة من المسؤولية إلى الشعور بالاستحقاق. الجميع ينتظر أن يصلح الآخرون الوضع. وعند تلك النقطة، يكون الانهيار قد أصبح أمرًا محتومًا.
الإصلاح لن ينفع
ولا يمكن مواجهة هذه الكارثة بالإصلاحات الطفيفة. لا يمكن تقليص الإنفاق تدريجيًا، ولا إدخال تحسينات إدارية، ولا إجراء عمليات “تدقيق.” فهذه مجرد مساحيق تجميل على جثة. الحل الوحيد هو رفض الفرضية التي تقف خلف كل هذا: فكرة أنّ الحكومة هي العقل المدبّر للاقتصاد. الثروة يصنعها الأفراد، لا الدولة. الازدهار يولده التبادل الطوعي، لا إعادة التوزيع القسري. والصحة الاقتصادية تتطلب الانضباط، لا الإكراه. فكلما تضخم دور الدولة، تقلّصت حياة الناس: حريتهم، دخولهم، خياراتهم.
ولهذا، يجب أن يُترك الناس يحتفظون بما يكسبون، وأن تعمل الأسواق بحرية، وأن يستعيد المجتمع قيم الادخار والملكية والمسؤولية. فغير ذلك ليس إلا استمرارًا لمسار واحد: الانكماش الاقتصادي، والانهيار الاجتماعي، والتقهقر الحضاري.
بقلم دانيال أغباكي، اقتصادي ومتدرّب في معهد ميزس
لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.
https://freemarketfoundation.com/spending-like-theres-no-tomorrow/
