ما يُفهم عادةً من الاشتراكية، في معناها التقني، طيف واسع من النظم والنزعات يصعب الإحاطة به كاملًا في هذا المقال، غير أنّ القاسم المشترك بين جميع أشكالها هو تدخّل الدولة في حياة المواطنين واتخاذ القرارات نيابةً عنهم، وهي قرارات تُترك في النموذج الرأسمالي لخيارات الأفراد أنفسهم. وسأعتمد هنا تعريف الاشتراكية الذي يعدّه الاشتراكيون من المدرسة الماركسية تعريفًا “علميًّا”. فالاشتراكية تزعم السعي إلى عالم يمتلك فيه العمالُ وسائلَ الإنتاج في المؤسسات التي لم ينشئوها أصلًا ولم يساهموا في رأسمالها الأولي. وبموجب هذا الطرح، ينبغي للعمال أن يمتلكوا الشركات التي يعملون فيها لأنّ مالكي تلك الشركات—وفق الزعم الاشتراكي—“يستغلّونهم” عبر الاحتفاظ بالأرباح أو “فائض القيمة” الناتجة عن عملهم بعد دفع الأجور. وبذلك يصبح الربح الذي يحققه صاحب العمل، في التصور الماركسي، مالًا “مسروقًا” من العمال من قبل مالك الشركة.
لكن ماركس لا يرى الاشتراكية غايةً بحد ذاتها، بل مرحلة انتقالية (وهو بالطبع لا يذكر مدة استمرارها) نحو يوتوبياه النهائية: الشيوعية. وما نظّر له ماركس نظريًا، طبّقه فلاديمير لينين، أحد قادة الثورة البلشفية، عمليًا في بدايات القرن العشرين عند تأسيس الاتحاد السوفيتي. ففي “الاشتراكية العلمية”، لا يحكم العمال أنفسهم، بل يمثّلهم “حزب العمال”، الذي يتولى إدارة الدولة واتخاذ القرارات الاقتصادية نيابةً عن الجميع. وبما أنّ الحزب يزعم أنه يمثل العمال، فإنّ “ملكية وسائل الإنتاج” تصبح ملكيةً غير مباشرة عبر وكلائهم في الحزب.
غير أنّ الواقع بعيد كل البعد عن هذه التصورات الحالمة التي نجدها في كتب المنظّرين الاشتراكيين. ففي الحقيقة، كانت الاشتراكية — وستظل ما دامت اشتراكية نوعاً— من الطغيان من أسوأ الأنواع: طغيان يرتكبه رجال يعتقدون بإخلاص أنهم يصنعون الخير. إنّ تحليل النظريات وحدها يكشف أنّ بذور الطغيان كامنة فيها. فعندما يقال إنّ ملكية الدولة لوسائل الإنتاج مرحلة ضرورية للوصول إلى الاشتراكية – وهو ما يدافع عنه الماركسيون واللينينيون – فإنّ هذا في حدّ ذاته اعترافٌ صريح باستخدام العنف القسري، وهو الأداة التي تحتكرها الدولة، لتحقيق الأهداف المنشودة.
قد يردُّ البعض بأنّ الدولة الرأسمالية منحازة لأصحاب رؤوس الأموال، وأنّ “دولة العمال” ضرورية لتحقيق العدالة. لكن هنا يساعدنا المنهج الفرداني في كشف الحقيقة: فـ“دولة العمال” ليست سوى دولة تمتلك سلطات هائلة يسيطر عليها قِلّة من الرجال. والسؤال البسيط حول العمال في الصين يكشف المفارقة. فحتى قبل إصلاحات دينغ شياو بينغ في الثمانينيات، حين أصبحت مصانع العرق (sweatshops) عنوانًا للصين الحديثة، كانت النقابات والإضرابات تُعدّ آفات اجتماعية. والإضراب فهو محظور من قِبل الحزب الشيوعي الصيني—فهل نقول إنّ “العمال” أنفسهم هم من حرّموه؟!
وقبل فظائع الصين، كان الاتحاد السوفيتي المثال الأبرز على الطابع القمعي والاستبدادي للاشتراكية: من التخطيط المركزي الصارم لتوجيه النشاط الاقتصادي الذي دمّر كل مبادرة فردية، إلى الغولاغ ومعسكرات السخرة التي زُجّ فيها “أعداء الثورة”، وصولًا إلى المجاعة المروّعة الناجمة عن السياسات المركزية (الهولودومور). لقد كان الاتحاد السوفيتي البرهان الأكبر على أنّ الاشتراكية، في جوهرها، ليست إلا استبدادًا مسلّحًا بالأيديولوجيا.
في الدول الاشتراكية، تُعتبَر الحقوق الأساسية—حق التبادل، حق الملكية، حق التعبير، وحق التنظيم—عقبات أمام تحقيق الحلم الاشتراكي. حقّ التجارة؟ فلا يمكن للناس أن يبيعوا ويشتروا بحريتهم في نظام يُصرّ على توجيه النشاط الاقتصادي ويمارس مصادرة الملكية الخاصة ويفرض حدود قصوى ودنيا للأسعار، وهي أمور شائعة في البلدان الاشتراكية. ولا يمكن حرية التعبير أن تزدهر في نظام يخشى الانتقاد كما يخشى الوباء. ففي الرأسمالية، فهي تمنح الجميع الحرية ليكونوا ما يريدون. إذ يستطيع الاشتراكيون انتقاد الدول التي تحترم الملكية الخاصة، لكن في دول مثل الصين أو كوبا، فإنّ انتقاد الدولة يُعدّ تذكرةً مباشرة إلى الاختفاء القسري.
ولا يُفاجئ أحدًا أنّ دولًا مثل الصين وكوبا وفنزويلا تحتل مراتب متدنية في مؤشرات حقوق الإنسان. ومع ذلك، لا يزال بعض مواطنينا يهلّلون لهذه النماذج، كأنّهم يشاهدون شعب فنزويلا يأكل الفئران ويصفّقون، قائلين: “نريد هذا لأنفسنا أيضًا!” وهذا بحد ذاته مدعاة للقلق، لأنه يعني أنّ بعض قادتنا يرون في فشل الآخرين نموذجًا يُحتذى لا كارثة يجب تجنبها.
إنّ من أخطر ما يجب أن يعيه الناس أنّ أيّ حكومة تعلن نفسها اشتراكية ستأخذ من حرياتهم بالقدر نفسه الذي تمنحهم فيه وعودًا. ولذلك، في كل مرة تسمع سياسيًا أو أكاديميًا يتغنّى بـ“بهجة الاشتراكية”، تذكّر ما قد تخسره من حقوق، وفكّر في أنّ الطريق إلى العبودية معبّد بحريات تُنتزع منك خطوة بعد خطوة.
زاخيلي مثيمبو، حاصل على BA في القانون وLLB من جامعة ويتس ومسؤول سياسات في مؤسسة السوق الحر
لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.
https://freemarketfoundation.com/socialism-is-tyranny/
