يقدّم أستاذ القانون تيد بارسون نموذجًا تخيّليًا لـ“ماكس”، وهو نظام ذكاء اصطناعي يفترض أنه قادر على إعادة تشكيل الأسواق عبر تعديلات ضريبية دقيقة: ضرائب هنا، إعفاءات هناك، حتى تُلغى كل الآثار الخارجية السلبية. ويقترح عالم الحاسوب سبيريدون ساموثيراكيس شبكة من مراكز البيانات وخوارزميات “التعلّم بالتعزيز” لتوجيه التنسيق الاقتصادي وتوزيع الموارد وتنظيم الإنتاج. أما الاقتصادي ليو شليشتر فيرى أن الذكاء الاصطناعي قادر على خفض الإنتاج إلى مستويات مستدامة بيئيًا، وتلبية حاجات البشر عبر لوحات تحكم تفاعلية ومسارات تغذية راجعة.
خلاصتهم واحدة: الذكاء الاصطناعي قادر على تدعيم أو حتى استبدال الأسعار وآلية السوق الحرّة التي تنتجها. لكنّ مهلاً… الواقع أكثر تعقيدًا.
فالتنسيق الاقتصادي ليس معادلة يمكن حلّها بحساب نتيجة مثلى، ولا مسألة تقنية تُعالج بقوة الحوسبة. إنّه ثمرة تفاعلات لا مركزية بين مليارات الأفراد، كلٌّ بخططه وتفضيلاته ومعارفه، في عملية تطوّر مستمرة. ولكي تتحوّل هذه القرارات المتناثرة إلى نظام منضبط وذي نتائج اجتماعية نافعة، لا بدّ من قواعد ومؤسسات أساسية.
هذه القواعد تتجسّد في “الثلاثة : ”P حقوق الملكية، والأسعار، ونظام الربح والخسارة. وهي بدورها تولّد “الثلاثة”I :المعلومات، والحوافز، والابتكار. فالأسعار تمكّن الناس من إجراء الحساب الاقتصادي، أي المفاضلة بين استخدامات الموارد النادرة. وهي في الوقت نفسه آلية تغذية راجعة لا مركزية. وقد لخّص تايلر كوين وأليكس تبارّوك ذلك بقول شهير: “السعر إشارة ملفوفة بحافز.” فهو يكشف ندرةً ما، ويحثّ في الوقت نفسه على تعديل السلوك وفقها. فعندما ترتفع أسعار الليثيوم، يبدأ المنتجون والمستهلكون بالترشيد وإعادة التدوير والبحث عن بدائل والابتكار.
إن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة نتائج السوق — فضلًا عن التفوّق عليها— يعكس ثقة مبالغًا فيها بالحوسبة وسوء فهم لطبيعة نظام الأسعار. فالسعر ليس “معطى طبيعيًا” أو حقائق ثابتة في العالم المادي لكي يجمعها الحاسوب كما يجمع بيانات الطقس. إنّه نتاج منافسة على موارد نادرة، ولا ينفصل عن عمليات التبادل الحقيقي في الأسواق. والأسعار ليست ثابتة يُفترض وجودها مسبقًا، بل هي في حالة اكتشاف مستمر يقوم به روّاد الأعمال وهم يختبرون توقعاتهم حول رغبات المستهلكين وقيود الموارد. إن النماذج الاقتصادية التي تفترض الأسعار كمعطيات ثابتة تتجاهل الفعل الريادي الذي ينتج تلك الأسعار أصلًا. وقد بيّن لودفيغ فون ميزس ذلك منذ 1920: فمن دون تبادلٍ حقيقي في السوق، يفتقر المخطِّطون المركزيون إلى أسعار ذات معنى للسلع الرأسمالية. ونتيجةً لذلك، لا يستطيعون حساب ما إذا كان توجيهُ الفولاذ نحو السكك الحديدية بدلاً من المستشفيات يخلق قيمة أم يدمّرها.
الذكاء الاصطناعي قادر على معالجة كميات هائلة من البيانات—لكن كلّها بيانات من الماضي. أمّا الفعل الاقتصادي، فعلى العكس، فمُستقبَلي بطبيعته قد يتمكن الخوارزم من استقراء الاتجاهات، لكنه لا يستطيع توقّع الابتكار أو تغيّر الأذواق. كما لا يمكنه اكتشاف ما لم يُتخيَّل بعد. في المقابل، تنتج الأسواق الحرة باستمرار معلومات سعرية حقيقية وموثوقة، عبر تفاعل مؤسسات الملكية والأسعار والربح والخسارة. هذه المؤسسات تفرض على المشاركين “أن يضعوا جلدهم في اللعبة”: أن يتحمّلوا الخسائر عند الخطأ، وأن يجنوا الأرباح عند الإصابة. لا يمكن للأسواق الافتراضية المستندة إلى الخوارزميات أن تخلق هذا النوع من التغذية الراجعة. ومن دون عواقب حقيقية، تصبح مخرجات الخوارزميات غير قادرة على استثارة تقييمات واقعية أو تعديلات سلوكية ذات معنى.
أنصار التخطيط الخوارزمي يخلطون بين معالجة البيانات وبين اكتشاف المعرفة. كما يتغافلون عن الكيفية التي تشكّل بها الحوافزُ طبيعةَ البيانات التي يتلقّاها الذكاء الاصطناعي. فإذا أثّر الفاعلون السياسيون في الأسعار، فإن البيانات التي تُغذّى بها الخوارزميات تصبح منحرفةٌ أصلاً. ولا يزال مبدأ “مخرجات فاسدة نتيجة مدخلات فاسدة” قائمًا—غير أنّ القمامة هذه المرة تُعالَج بسرعة أكبر وتُغلَّف بمصطلحات تقنية. قد يبدو الذكاء الاصطناعي دقيقًا، لكنّه يعاني من نقاط العمى نفسها التي أدّت إلى فشل محاولات التخطيط المركزي السابقة. كما أنّ مركزية القرارات تُشوّه السلوك الاقتصادي. فرياديّ الأعمال، حين يتوقعون المصادرة أو قوانين غامضة، قد يتراجعون، أو يقلصون استثماراتهم، أو ينسحبون بالكامل. وقد يلجأ المستهلكون إلى الادخار المفرط أو المقايضة. وهكذا تصبح البيانات التي يعتمد عليها المخطّطون غير موثوقة، لأنّ الأفراد يعدّلون سلوكهم لتجنّب الوقوع داخل منظومة الرقابة. وتُظهر أبحاثنا حول الانتقال من الاقتصاد الاشتراكي أن إشارات الأسعار الحقيقية لم تعد إلى الظهور إلا بعد استعادة التبادل الخاص والانضباط المالي. لم تكن القوة الحاسوبية هي من أعاد النظام—بل الإصلاح المؤسسي.
السوق لا تنسّق المعرفة الموجودة فحسب، بل تولّد معرفة جديدة. فنظام الأسعار يكشف الندرة الخفية ويمكّن من اكتشاف الفرص غير المستغلة. وتُعتبَر عملية الاكتشاف هذه محرّك النمو الاقتصادي لا الحسابات المركزية. ولا يمكن للتخطيط المركزي، سواء نُفِّذ من قبل البيروقراطيين أو الخوارزميات، أن يكون بديلاً عنها. وكما لاحظ فريدريك هايك: «إنّ قيمة الحرية تكمن في الفرص التي تتيحها للأفعال غير المتوقعة وغير القابلة للتنبؤ».
إنّ الاقتصاد والهندسة لا يمكن لأحدهما أن يحلّ محل الآخر. فإذا أصبحت عملية التخصيص مشكلة تقنية وكان الذكاء الاصطناعي هو الحل، فقد يتحوّل المجتمع من الاستكشاف إلى التحسين الرياضي. لكن الازدهار يعتمد على التجريب لا على تنفيذ مخططات جاهزة. وينبغي للاقتصاديين أن يتبنّوا ما سماه هايك الكَتَلّاكْسِي—أي النظام المنبثق من التبادل بين الغرباء، حيث يسعى كل فرد إلى أهداف متجددة بوسائل متطورة. إنّ الذكاء المركزي يجمّد هذه العملية، فيستبدل التطور الديناميكي بـ الجمود.
الذكاء الاصطناعي أداة جبّارة لتحسين العمليات والتعرّف على الأنماط. لكنه لا يستطيع أن يَحلّ محل الأسواق الحرة. فهو لا يستطيع توليد أسعار حقيقية، ولا احتساب التكاليف البديلة، ولا تحمل المخاطر الريادية. ولا يزال النشاط الاقتصادي الحيوي يعتمد على التبادل الحر، لا على خوارزميات تحسين تعمل داخل مراكز بيانات معقمة.
بقلم مارِيان ل. توبي، زميل أول، معهد كايتو
لمطالعة النسخة الأصلية انقر هنا.
https://www.cato.org/commentary/ai-cant-replace-free-markets
